وأما
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
« 1 » ونحوهما ، فلعلّه من باب التأكيد والتنبيه والردع عن تركها ، مثل أنّ الآمرين بالمعروف إذا قالوا : « صلّوا وزكّوا » إنّما يريدون الأمر بما ثبت وجوبه من الدليل ، بل والمخاطبون عالمون بالوجوب ، والوليّ إذا قال للطفل : « صلّ وافعل كذا وكذا » فهو إعلام لأصل الوجوب ، وتعليم له إيّاها .
فحينئذ ، نقول : المراد ب
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
« 2 » إمّا بيان تشريع العقود المتداولة ، ولو على سبيل إلزامهم بما كانوا يفعلون من دون سبق تعليمهم إيّاها من جانب الشرع وإلزامه إيّاهم بالعمل والوفاء على مقتضاها ، فيكون مثبتا للحكم والإلزام معا .
إمّا بيان أنّ العقود الّتي ثبت من الشارع لزومها والالتزام بها : فاعملوا بها كما بيّن لكم ، نظير تنبيه الآمرين بالمعروف .
أو بيان كليهما ، أعني التنبيه في البعض ، والتشريع والتسنين في البعض .
فعلى الأخير يلزم استعمال اللفظ في معنييه ، وهو غير جائز إلّا بإرادة عموم المجاز ، وهو معنى مجازي الأصل عدمه .
ولمّا كانت المائدة آخر سورة نزلت ، فإرادة نظير الأمر بالمعروف ألصق بالمقام ، ولكن إرادة القدر المشترك أتمّ فائدة .
ويمكن أن يقال : إنّ هذا هو المعيّن بأن يكون من باب التناسي عمّا بيّن قبل ذلك ، فليس الأمر بالوفاء أمرا بشرط أنّه تأسيس ، ولا بشرط أنّه تأكيد ، بل لا بشرط ، ومقتضاه : بيان التشريع والتسنين ، فكأنّه أوجد أساس الحكم بهذا اللفظ متناسيا عمّا بيّن قبل ذلك .
وكأنّ التعليق بالوصف - أعني وصف العقدية - يشعر بأنّ وجوب الوفاء إنّما هو لأجل أنّه عقد ، لا لأجل أنّه ورد به الشرع قبل ذلك ، بخلاف ما يريد به الآمرون
هامش
( 1 ) . البقرة : 43 .
( 2 ) . المائدة : 1 .