الرخصة وجواز ما يفعلون ، ويلزمه أن يصير كلّما كان عندهم على وجه اللزوم لازما ، وعلى الوجه الجواز جائزا . ولكن هذا يحتاج إلى تتبّع أحوال أهل العرف ومتابعتهم في اللزوم والجواز ، ولا يثبت من الآية عموم الوجوب واللزوم .
[ الأمر ] الثالث :
أنّ المراد أن ما جوّزنا لكم وحلّلناه ورتّبنا عليه الثمرة من العقود فيجب عليكم الوفاء بمقتضاه ، مثل أنّ عقد البيع في العرف كان هو نقل عين بعوض معلوم ، وصحّحه الشارع وجوّزه ، ورتّب عليه الثمرة التي أراد بقوله :
أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
« 1 » .
ومثل عقد المضاربة الذي جوّزه بقوله :
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ
« 2 » ثم قال : أوفوا به ، يعني يجب الوفاء على مقتضاه من النقل ، بمعنى استمرار ملكيّة الطرفين لما ملكاه ، فهذا يثبت اللزوم في جميع العقود المجوّزة .
وأمّا العقود الممنوعة كالربا والميسر وغيرهما : فلا معنى لوجوب الوفاء فيها .
[ الأمر ] الرابع :
أنّ المراد أنّ ما بيّنّا لكم جوازه من العقود وشرعنا وميّزنا اللازمة منها عن الجائزة ، والراجحة عن المرجوحة ، فاوفوا بها على مقتضاها ، فاعتقدوا لزوم اللازمات ، واعملوا بمقتضاها ، وجواز الجائزات ، واعملوا بمقتضاها .
وهكذا أوفوا بجميع العهود الموثّقة والمواثيق المحكمة من الإيمان باللّه واليوم الآخر ، وبتحليل ما أحلّ ، وتحريم ما حرّم ، والعمل على مقتضى ما فرضه من الفرائض والأحكام والحدود .
فتكون الآية من باب الإرشاد والوعظ ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لا من باب إنشاء الحكم وإحداثه .
فعلى المعنى الأوّل تكون الآية مؤسسة للحكم ، فمقتضاه حليّة كلّ عقد وترتّب
هامش
( 1 ) . البقرة : 275 .
( 2 ) . النساء : 29 .