ووجه الاستدلال أنّ في سماعهم دعواه المخالفة للظاهر دلالة على أنّ الزوج مستقلّ عندهم في ولاية الطلاق غاية الاستقلال ، بحيث ليس للزوجة معارضته ومصادمته فيما يقتضيه الظاهر المسموع منه ، ويجب عليها متابعته مطلقا ، مع أنّهم لم يحكموا بذلك في سائر العقود ، مع اشتراطها بالقصد أيضا ، والعاقد أبصر به .
أقول أوّلا : يمنع كون المسألة إجماعيّة ، والشهيد الثاني رحمه اللّه أيضا أنكر ذلك في المسالك إلّا في صورة ظهور قرينة على صدقه ؛ مستدلا بأنّ الظاهر من حال العاقل المختار القصد إلى مدلول اللفظ الّذي يتكلّم به ، فإخباره بخلافه مناف للظاهر ، ولو كان الأصل مرجّحا عليه لزم مثله في البيع وغيره من العقود والإيقاعات مع الاتّفاق على عدم قبول قوله فيه .
واختصاص الطلاق بذلك مشكل ، بل الأمر فيه أشدّ ؛ لقوله عليه السلام : « ثلاثة جدّهنّ جدّ ، وهزلهنّ جدّ : النكاح ، والطلاق ، والرجعة » « 1 » ، « 2 » .
وتبعه في ذلك السيّد محمّد رحمه اللّه في شرح النافع « 3 » .
وقال في المسالك : « نعم لو صادقته الزوجة على ذلك لم يبعد القبول ؛ لأنّ الحقّ منحصر فيهما ، فيدينان بما يتّفقان عليه ، ويوكّل أمرهما إلى اللّه » « 4 » .
وقال في الكفاية بعد نقل إشكال المسالك : « والاستشكال بموقعه » « 5 » .
وثانيا : نقول : إن صدّقته الزوجة فالأمر سهل ؛ للزوم حمل قول المسلم على الصحّة ، وكون الأمر بينهما لا غير ، وكون الزوج أبصر بقصده .
وكذلك لو جهلت المرأة بالحال ، فعليها أن تصدّقه ؛ لعدم ظهور كذبه .
هامش
( 1 ) . سنن سعيد بن منصور 1 : 369 ، ح 1603 ، سنن ابن ماجة 1 : 657 ، ح 2039 ؛ سنن أبي داود 2 : 259 ، ح 2194 ، سنن الترمذي 3 : 490 ، ح 1184 ؛ شرح معاني الآثار للطحاوي 3 : 98 .
( 2 ) . مسالك الأفهام 9 : 26 .
( 3 ) . نهاية المرام 2 : 13 .
( 4 ) . مسالك الأفهام 9 : 27 .
( 5 ) . كفاية الأحكام : 199 .