المقدّمة الثانية : في بيان المراد من لزوم حمل أقوال المسلمين وأفعالهم على الصحّة
إنّ ما قرع سمعك من لزوم حمل أقوال وأفعال المسلمين على الصحّة تحتاج معرفة حقيقة ذلك إلى تفصيل وتنقيح ، وهو أنّ المراد منه ، كلّ فعل أو قول يحتمل صدوره عن المسلم عن وجه صحيح وعن وجه فاسد ، فينبغي أن يحمل على الوجه الصحيح ، ما لم يزاحمه قول مسلم آخر أو فعله أو كلاهما ، أو لزوم اشتغال ذمّة بريئة ، أو نحو ذلك ، فلا بدّ من المراجعة إلى القوانين الممهّدة لذلك .
ولذلك ، إذا رأينا مسلما يدّعي مالا في يد مسلم آخر ، فإن صدّقنا المدّعي لا بدّ أن نكذّب المدّعى عليه ، وهو أيضا مسلم ويقول بأنّه مالي .
وتعارض القولين وإن كان يوجب التساقط ، ولكن لمّا كان قول المدّعى عليه معتضدا بفعله ويده ، فكان أقوى ، فلذلك نكلّف المدّعي بالبيّنة الّتي هي أصعب ، والمدّعى عليه باليمين الّتي هي أسهل .
وكذلك الكلام إذا أدّعي عليه مالا في ذمّته ، فإنّه يعارضه قول المسلم في إنكار ذلك ، مع اعتضاده بعدم اشتغال الذمّة وأصالة البراءة ، فالقول في مقابل القول ، والفعل وأصالة البراءة في مقابل البيّنة .
وأمّا الخبر : فيكتفى فيه بالصحّة والوثوق ؛ لأنّه لا يثبت حقّا على مسلم خاصّ ؛ لأن الخبر هو ما كان مفهومه عامّا ، بخلاف الشهادة لمّا كانت مثبتة للحقّ على شخص خاصّ ، فلا بدّ فيها من قوّة زائدة ، ولذلك اعتبر فيها التعدّد مع العدالة حتى ترفع قوّة قول المسلم وفعله وبراءة ذمّته .
وأمّا الخبر : فلا يتصدّى إلّا لإثبات حقّ لمطلق المكلّفين ، كقوله عليه السلام : « الشفعة في كلّ أمر مقسوم » « 1 » فيكتفى فيه بصحّة الخبر ، أو حصول الظنّ به كما هو المختار .
هامش
( 1 ) . انظر الخلاف 3 : 439 ؛ عوالي اللآلي 3 : 475 ، ح 1 ؛ مستدرك الوسائل 17 : 102 ، أبواب كتاب الشفعة ، ب 6 ، 7 و 8 .