فلو كان الربا منحصرا في الفرد الجليّ المتعارف بين العوام ، فلا يبقى للحديث معنى .
وكما أنّه لا يجوز ارتكاب الحيلة في تحليل الربا الّذي ورد فيه أيضا : « أنّ له دبيبا أخفى من دبيب النملة ، وهو الشرك الخفي باللّه تعالى » ، ولا يمكن تحليله بوجه من الوجوه ، فكذلك ما نحن فيه .
وفيه أنّ الربا الّذي هو الشرك الخفيّ هو حقيقة واحدة لا يمكن تغييرها ، وهو الفعل « 1 » لأجل أن يراه الناس ويمدحونه بخلاف الربا ، فإنّه قسم من أقسام طلب الزيادة في المال ، وليس نفس طلب الزيادة نفس الربا حتّى لا يمكن تحليله بوجه « 2 » من الوجوه ، فكذلك ما نحن فيه ، بل هو قسم خاصّ منه .
وذلك كالزنا والنكاح والسفاح ، فالتمتّع من المرأة يمكن بوجوه عديدة بعضها حلال وبعضها حرام ، والمحلّل هو إدراجه في النكاح ، بل ربّما لا يحصل فرق بين الزنا والنكاح إلّا مجرّد الصيغة إذا حصل التراضي بينهما وعيّن أجرة « 3 » المرأة ، بل وجميع حقوق الزوجيّة سوى العقد .
وحينئذ ، فتوجيه الحديث إمّا بإرادة التنبيه على الأفراد الغير المعروفة بحرمتها ، مثل معاملة اللبن بالسمن ، والغزل بالقطن ، والسمسم بالشيرج متفاضلا ، ونحو ذلك .
أو من أجل عدم ملاحظة الداعي والقصد الواقعي في تبديل عقد بعقد ، فإنّ الحيل المجوّزة لتحصيل الزيادة مثل عقد معاملتين في المثلين على تفاوت القيمتين ثمّ التساوي بينهما وأخذ الفضل ، أو المعاملة المحاباتيّة بشرط القرض ونحو ذلك ، إن كان الداعي له عليها هو الخوف من اللّه تعالى والفرار عن الربا ، فلا ريب أنّه يعتقد أنّ ذلك معاملة أخرى غير الربا ، ويجعل ذلك مقصده جزما خوفا من النار ، فيصير من
هامش
( 1 ) . في نسخة : الشغل ، بدل الفعل .
( 2 ) . في نسخة : بالحيلة بدل بوجه .
( 3 ) . في نسخة : المئونة ، بدل أجرة .