جهة معاملة أخرى ولا حيلة ، والمقرض أيضا لا محالة تلزمه الإعانة ، فيتردّد الأمر بين القرض الحسن والقرض الربوي ، فحرمة الربا توجب اختيار القرض الحسن ، وحليّته توجب تركه .
ولكن هذا إخراج للروايات عن ظاهرها ، فإنّ ظاهرها تعليل حرمة ماهيّة الربا بذلك ، لا فرد خاصّ منه ، مع أنّ الظاهر من الأخبار المعلّلة حينئذ أنّ المنع من الربا يرجع إلى القيد ، فكأنّه قيل : إذا أقرضتم فلا تعطوا مع طلب الزيادة ، بل أعطوها مثلا بمثل ، وهذا ليس المعنى الحقيقي للتعليل ، بل معناه حينئذ ، أنّ المراد من تحريم الربا الترغيب إلى القرض الحسن ، يعني لا تفعلوا هذا وافعلوا ذلك ، لا تفعلوا هذا لأجل أن تفعلوا ذاك .
سلّمنا أنّ المراد أن الربا لمّا كان قد يوجب الوقوع في ترك المعروف فهو حرام ، كذلك كلّ معاملة قد توجب ذلك ، لكن النسبة بين هذه العلّة وبين ما دلّ على حلّيّة مطلق القرض والبيع عموم من وجه ، والأصل ، ونفي العسر والحرج ، والشهرة في الحيل المجوّزة يرجّح الجواز .
والأولى أن يقال في توجيه تلك الأخبار : إنّ هذه العلّة من باب الداعي والمعرّف ، ولا يجب أن تطّرد ، بل هي لبيان الحكمة الداعية على تشريع الحكم وإحداثه ، وإن كان اطّراده بعد ذلك من جهة حماية الحمى ، كزوال أرياح الآباط في غسل الجمعة ، وعدم اختلاط المياه في العدّة ، فليس ذلك من باب المنصوص العلّة حتّى يتعدّى عنه إلى ما وجدت فيه العلّة .
ومن جملة ما ذكر ، ما رواه الصدوق عن أمير المؤمنين عليه السلام ، أنّه قال : « أيّها الناس ؛ الفقه ثمّ المتجر » ثلاثا ، ثمّ قال : « فإنّ للربا في هذه الأمّة دبيبا أخفى من دبيب النملة » « 1 » .
هامش
( 1 ) . الفقيه 3 : 121 ، ح 519 ؛ وسائل الشيعة 12 : 282 ، أبواب آداب التجارة ، ب 1 ، ح 1 .