ولكن يمكن دفعه بأنّ المفهوم ليس من باب التناقض ، بل السلب والإيجاب فيه متطابقان عموما وخصوصا ، كما حقّقناه في محلّه « 1 » .
فالأولى الاقتصار على منع تقدير الاستثناء ، فلم يبق إلّا أن تكون الآية مسوقة لبيان أصل قصور العبد وعدم قابليّته لشيء ، ومن جملة ذلك التملّك للمال . وهذا هو المعنى السابق على الحجر الذي يترتّب الحجر وعدمه عليه ، والنكرة المنفيّة تفيد العموم ، خرج ما خرج بالدليل ، وبقي الباقي .
وتشيّده مقابلة القرينة الأخرى ، أعني
وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً
« 2 » ، يعني حرّا رزقناه ، فإنّها تدلّ على أنّ الرزق له من جانب الله ، بخلاف العبد فإنّه بواسطة المولى ، وعلى أنّه حسن وسيع ولا ضيق عليه
فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً
« 3 » يعني ليس بمحجور عليه في شيء ، فيلاحظ نفي تلك المعاني في جانب العبد لتتمّ المقابلة ، فرزقه بواسطة مولاه وليس بمالك شيء ، بل هو مملوك لإشعار الوصف بذلك ، ولا يقدر على شيء ، لا بأن يكتسب فيملك ، ولا بأن يتصرّف في نفسه بشيء .
وبالجملة ، جعل الممثّل له هو الله سبحانه والأصنام يقتضي بيان المباينة غاية الغاية ، ولا يتمّ إلّا بما ذكرنا .
ثمّ إن هذا الكلام منه رحمه اللّه إلزامي ، وإلّا فظاهره أنّه يقول بتملّك العبد مستقلّا بدون الحجر ، كما يصرّح به في كتاب الحجر ، وإن ذكر فيه أنّهم لم يفرّقوا في الحجر بين القول بمالكيّة العبد وعدمه ، وأن لا خلاف بينهم في محجوريّته إلّا في الطلاق ، فإنّه بيد من بيده الساق ، قال : « ولعلّ دليلهم الإجماع ولا نعلمه » ثمّ أشار إلى ما هو الظاهر « 4 » .
هامش
( 1 ) . القوانين المحكمة 1 : 185 .
( 2 ) . النحل : 75 .
( 3 ) . النحل : 75 .
( 4 ) . مجمع الفائدة والبرهان 9 : 213 .