الحديث على مطلق الظنّ ، ولا ريب في ضعفه ؛ لأنّ اللازم منه نجاسة الماء بمباشرة المتّهمين بالنجاسة ، وهو باطل قطعاً .
الثالث : إنّا لو سلّمنا أنّ المراد من العلم هو القطع واليقين ، فهو حاصل هاهنا ؛ لأنّ الظنّ بالنجاسة مستلزم للعلم بها بمعونة مقدّمة ، هي : أنّ ظنّ المجتهد حجّة قطعاً ؛ إذ يحصل عنده بواسطتها مقدّمتان ، إحداهما : أنّ هذا - أعني نجاسة القليل بالملاقاة - ممّا أدّى إليه ظنّي ، والأُخرى : أنّ كلّ ما أدّى إليه ظنّي فهو حكم اللَّه في حقّي .
والمقدّمتان قطعيّتان ؛ فإنّ الأُولى وجدانيّة ، والثانية إجماعيّة ، فينتج أنّ هذا حكم اللَّه في حقّي قطعاً .
فإن قيل : اللازم من ذلك هو العلم بالحكم الظاهريّ ، وهو المعبّر عنه بأنّه حكم اللَّه في حقّ المجتهد ، والمستفاد من الحديث أنّ الحكم بالنجاسة يتوقّف على العلم بثبوتها في الواقع وأين هذا من ذاك .
قلنا : القطع بالحكم الظاهري وإن لم يستلزم القطع بالنجاسة ، لكن لا ريب في استلزامه القطع بأنّ الطهارة ليست هي حكم اللَّه تعالى في حقّه ، وهو كافٍ في المطلوب .
لكن يرد أنّ حصول الظنّ بالنجاسة للمجتهد إنّما هو مع قطع النظر عن هذا الخبر ، وأمّا مع ملاحظته ، فلا يبقى له ظنّ بكون الحكم هو النجاسة .
وتوضيحه : أنّه إن أُريد حصول الظنّ للمجتهد بالنجاسة نظراً إلى الأدلّة المتقدّمة من غير اعتبار المعارض ، فمسلّم ، لكن لا نسلّم حجّية مثل هذا الظنّ ؛ لأنّ ظنّ المجتهد إنّما يكون حجّةً لو فُرض استقصاؤه جميع الأدلّة ، واستفراغ الوسع في المسألة بحسب الطاقة ، فمع قطع النظر عن بعضها لا يكون حجّة .
وإن أُريد حصول الظنّ له بعد ملاحظة الأدلّة كلّها ، ومنها الخبر المذكور ، فممنوع !
مصابيح الأحكام — صفحة 180
مساهمون: السيد محمد مهدي بحر العلوم
ص١٨٠