فإن قلت : يمكن التفصّي عن مخالفة الإجماع بحمل التنجيس على ما يقتضي التنزّه وكراهيّة الاستعمال حتّى يوافق القول بالطهارة ، وهو وإن كان خلاف الظاهر من لفظ التنجيس إلّا أنّ الخروج عن الظاهر لازم على تقدير تخصيص القلّتين بقدر الكرّ أيضاً ، فلا ترجيح .
قلت : جعل بلوغ القلّتين حدّاً لثبوت الكراهة يقتضي انتفاؤها معه ، فلو لم يحمل القلّتان على ما بلغ الكرّ لزم انتفاء الكراهة فيما بلغ قُلّتين وإن نقص عن الكرّ ، مع أنّ اللازم على القول بالطهارة ثبوتها فيما نقص عن الكرّ ، وإن بلغ قلّتين أو زاد عليه ؛ لورود التحديد بالكرّ وعدمه في صحاح الروايات ، والمخلص في الجميع واحد ، فالحمل على الكراهة في الخبر ينافي القول بالطهارة ، كما ينافي القول بالنجاسة ، وطريق الدفع ما ذكرناه .
اللّهم إلّا أن يحمل هذا الخبر على الكراهة الشديدة ، وأخبار الكرّ على مطلق الكراهة ، ويكون اللازم منه انتفاء الكراهة المخصوصة عند بلوغ القلّتين ، وهو لا ينافي ثبوت مطلق الكراهة .
ويضعّف : بأنّ اللازم من الحمل على هذا الوجه ارتكاب التجوّز في الرواية من وجهين : حمل التنجيس على ما يوجب التنزّه ، والتخصيص بالكراهة المغلظة .
وأمّا الوجه الذي ذكرناه فإنّما يلزم الخروج عن الظاهر من جهة واحدة ، أعني : تخصيص القلّتين بما بلغ كرّاً ، ولا ريب أنّه أولى .
الثالث والخمسون : ما رواه الشيخ في آخر باب المياه من التهذيب ، عن فحص بن غياث ، عن جعفر بن محمّد عليه السلام ، قال : « لا يفسد الماء إلّا ما كانت له نفس سائلة » « 1 » .
هامش
( 1 ) . التهذيب 1 : 245 / 669 ، باب المياه وأحكامها ، الحديث 52 ، وسائل الشيعة 1 : 241 ، كتاب الطهارة ، أبواب الأسئار ، الباب 10 ، الحديث 2 .