وأقواها ما ذكره المصنف كما أشرنا اليه والأولى في الاستدلال على هذا القول إن يقال إن المدعى في هذا النزاع ليس الا العامل حيث يطالب شيئا من المالك والمالك منكر لما يطلبه فيتوجه عليه اليمين وبيمينه يسقط دعواه ما ادعاه المالك فهو اقرار على نفسه فلذا يحكم به من غير حاجة إلى اثبات وانكار الجاعل له لا يوجب ثبوت يمين عليه إذ هو ليس بشيء يطالبه المالك منه حتى يتوجه عليه اليمين بانكاره ولم يبق له مطالبة من المالك حتى يفيد اليمين فيها بل إذا كان منكر لهذا فغاية الامر ان لا يؤخذ هذا أيضا واما حلفه على نفيه مع عدم دعوى عليه وسقوط دعواه على المالك فلا وجه له وبما قررنا يظهر اندفاع ما أورده المحقق على شيخه ابن نما ونسبه إلى الخطأ بسببه وهو ان فائدة يمين المالك اسقاط دعوى العامل لا ثبوت ما يدعيه الحالف وذلك لما عرفت ان ثبوت ما يدعيه الحالف ليس باعتبار الحلف بل باعتبار انه اقرار على نفسه لان المدعى في مقابله ليس الا العامل وقد سقط دعواه فالحكم ثبوت شيء آخر على المالك من أقل الامرين على ما ذكره المحقق أو على ما ذكره المصنف أو أجرة المثل على ما ذكره الشيخ مع عدم مدع في مقابله واصالة براءة ذمته على الزائد ما اعترف به لا وجه له خصوصا بلا حلف الجاعل على نفيه ومنه يظهر ان القول بالتخالف ثمّ الرجوع إلى أحد المذاهب أقل بعدا مما ذكره المصنف طاب ثراه فتأمل
قوله لان كلا منهما مدع
قد ظهر بما حققنا ان الدعوى حقيقة ليست الا من الجاعل وبانكار المالك وحلفه يسقط دعواه وانكار الجاعل ليس انكارا يتوجه به الحلف به فتدبّر
قوله ويثبت الأقل كما مرّ
اى على التفصيل الذي ذكره المصنف وقيل أيضا بعد التحالف بالأقل على ما نقلنا عن المحقق وبه وبأجرة المثل كما ذهب اليه الشيخ هناك
قوله ففيه الوجهان الماضيان في الإجارة
اى ما نقل عن ابن نماء والتحالف والأقوى تقديم على ما نقل عن ابن نما وعلى القول بالتحالف يحكم بعده بأحد المذاهب كما أشرنا اليه
قوله وان كان اختلافهما في جنس المجعول
لا يذهب عليك ان ما ذكرنا من الدليل لمذهب ابن نماء جاز في صورة الاختلاف في الجنس سواء كان اختلاف في القيمة أم لا وذلك لان المطالبة والدعوى حقيقة ليست الا من الجاعل حيث يدعى شيئا على المالك واما المالك قد يطلب منه شيئا والجنس الذي يدعيه قد سقط بانكار المالك وحلفه واما دعوى المالك فليس الا اقرارا في حقه حق نفسه فلذا يحكم بثبوته وانكار الجاعل له ليس انكار الواجب بيمينه إذ هذه الدعوى لا يرجع إلى مطالبة شيء من المالك حتى يلزم عليه اليمين بانكاره بل لا يفيد ذلك الا انه ان شاء الجاعل اخذ ذلك منه مقاصة لحقه بزعمه وان لم يشاء فتركه فحلفه على نفيه لا وجه له لسقوط المطالبة عن المالك وعدم مطالبة المالك منه نعم لو ادعى الجاعل بعد ذلك شيئا آخر وسمع منه الدعوى فإن كان المالك منكرا له توجه عليه يمين آخر فتدبر قوله وغاية ما يمكن ان يقال في الرد عليه اى أقدر المالك بالجعل وانكاره لما ادعاه الجاعل لولا دعواه الآخر يرجع إلى الاقرار بأجرة المثل بناء على أن الظاهر أن يكون يجعل بأجرة المثل لكن لما ادعى ان الجعل شيء آخر فللجاعل الحلف على نفيه حتى ينتفى ذلك ويستقر أجرة المثل ليمكنه اخذ حقه منه مقاصة واما انه بعد تحليفه للمالك لا يمكنه التقاص بناء على ما هو المعروف بين الأصحاب من حرمة التقاص بعد اليمين فيمكن دفعه بان حرمة التقاص لعلها إذا كان المنكر منكرا محضا لحقه واما مع اعترافه به في الجملة فلعله يمكن التقاص مما اعترف به وهاهنا اعترف بثبوت شيء منه حيث اعترف بأصله الجعل فله الحلف على نفى ما ادعاه جعلا حتى يثبت عليه ما هو مقتضى اقراره من أجرة المثل ليأخذ منه حقه مقاصة لكن لا يخفى ان الحكم باليمين بمجرد هذا لا يخلو عن اشكال خصوصا مع عموم النهى عن التقاص بعد اليمين وعدم تجويزه مع البينة التي هي أقوى فالحكم بما ذكره ابن نماء مطلقا حتى مع التحالف في الجنس أقوى واللّه تعالى يعلم
قوله فالتحالف هاهنا متعين
وحكمه بعده الرجوع إلى أجرة المثل على ما صرح في شرحه الشرائع ولا يخفى ان هاهنا يتأتى ما سننقله عنه من التفصيل على تقدير الاكتفاء بحلف المالك وكذا ما نذكره من الاحتمال ويحكم بعدم بعده فانتظر
قوله وليس بواضح
قد وضح مما قررنا ان التشريك بينهما في الحكم بما نقلنا عن ابن نما أقوى متين لكن الشارح في شرح الشرائع لم يعد ذلك من المذاهب ولم ينقل مذهب ابن نما لا في صورة الاختلاف في القدر مع أن الظاهر من كلام المحقق ثبوت هذا القول من ابن نما في الصورتين وأيضا المعروف بين الأصحاب بحيث لم يظهر فيه مخالف على ما سيجيء حكمهم في الصورتين ولا يظهر فرق بين الخلع والجعالة فالحكم هاهنا أيضا في الصورتين متجه بل يتوجه على من فرق بين المسألتين وحكم هاهنا بغير ما حكم به هناك سؤال وجه الفرق فإنه غير واضح كما سنشير اليه هناك أيضا انشاء اللّه واما التشريك بينهما على مذهب المصنف والمحقق أو الشيخ فليس ببعيد أيضا وان كان أصل مذهبهم لا يخلو عن ضعف على ما أشرنا اليه وذلك لان في صورة الاختلاف في الجنس أيضا قد اتفقا على وقوع جعالة صحيحة وانما الخلاف بينهما في الجعل فيحكم بصحة الجعالة التي لا نزاع فيها وينفى ما ادعاه العامل من الجعل بيمين المالك ولما لم يثبت ما ادعاه المالك بمحقق دعواه فلا بد من المصير إلى أحد المذاهب فتأمل واعلم أن الشارح في شرح الشرائع على القول بالاكتفاء بحلف الجاعل اختار في حكمه بعد حلفه ونفى ما ادعاه العامل تفصيلا غير المذاهب الثلاثة وهو ثبوت أجرة المثل مطلقا على مغايرتها جنسا لما عيناه ومع موافقتها لدعوى العامل بان كان ما ادعاه من النقد الغالب الذي عليه بناء أجرة المثل أقل الامرين منها ومما يدعيه ومع موافقتها لدعوى المالك بان كان ما يدعيه من النقد الغالب فأكثر الامرين منهما ومما يدعيه قال واما اخذ كل من الدعويين باعتبار القيمة ونسبتها إلى أجرة المثل واعتبار الأقل أو الأكثر فيفيد لعدم اتفاقهما على ما يوجب الزامهما بالزائد هذا ما حققه ولا يخفى ان اعتبار القيمة والاخذ بالأقل والأكثر وان كان بعيدا لكن لا يبعد احتمال آخر وهو ان يقال إن المالك على مذهب المحقق مخير بين اعطاء عين ما يدعيه العامل أو أجرة المثل سواء كان ما يدعيه من جنس اجرة أم لا وكذا على مذهب المصنف بكون المالك مخيرا بينهما لكن بكون للعامل أيضا الاباء عن أجرة المثل إذا أعطاها المالك ومطالبة عين ما يعترف به المالك سواء كان من جنس أجرة المثل أم لا ليأخذ حقه مقاصة بتقريب مثل ما ذكر من دليل المذهبين فتأمل
قوله ويبقى في القول بالتخالف مطلقا
اى سواء قيل به في المتخالفين جنسا أو قيل به في المتفقين أيضا أو في القول به مطلقا سواء تساوت الأجرة وما يدعيه المالك أو زاد ما يدعيه عنها أو زادت الأجرة عليها إذ لا وجه لحلف العامل في الأوليين في ذلك لان العامل بعد تحليفه في الصّورتين لا يعطى أزيد ممن اعترف به المالك بل اما ان يعطى ذلك أو أقل منه ويكفى لاعطائه ذلك لو كان تحليفه على اثباته لامكن ان يقال إنها مؤكدة لاعتراف المالك اما تحليفه على
التعليقات على شرح اللمعة الدمشقية — صفحة 378
مساهمون: جمال الدين محمد الخوانساري
ص٣٧٨