انّ الرّواية الأولى تدلّ على البطلان وبتحويل الوجه عن القبلة مطلقا والوجه يحتمل ما ذكرنا سابقا من الوجهين وعلى الوجهين لا اختصاص له باستدبار البدن بل يشمل استدبار الوجه أيضا اما إذا حمل الوجه على ظاهره فظاهر وامّا إذا حمل على ما يواجه من بدنه فلاستلزام استدبار الوجه تحويل البدن عن القبلة فالظاهر أن يحمل الاستدبار في كلامه على ما يشمل استدبار الوجه وهذا ربما يخدش توجيه كلام النهاية أيضا بما ذكرنا من الفرق بين الاستدبار والالتفات لأنه فيها أيضا تمسّك بالرواية الثانية فلا يدلّ على البطلان إذا برح من مكانه ولا يظهر منها العلّة فيمكن ان يكون هي استلزامه الاستدبار غالبا أو التحويل عن القبلة مطلقا أو الفعل الكثير فالاستدلال بها على خصوص أحدها مشكل جدّا واعلم أنه في المنتهى هاهنا وقع سهو غريب فإنه نقل فيه آخر الرّواية الثانية على ما في النسخ التي عندنا هكذا ثمّ قام قال يستقبل ما لم يبرح من مكانه مع أن الرواية في التهذيب في باب كيفية الصّلاة من الزّيادات على ما نقلنا وهذا هو الصحيح وعليه بناء كلامه رحمه الله أيضا فلا تغفل ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول الظاهر من الوجوه المذكورة في هذا الفرع هو الوجه الاوّل للأصل وعدم دليل صالح على خلافه ويمكن أيضا ان يحتج له بعموم رواية الكافي باب ما يقطع الصّلاة والتهذيب باب كيفية الصّلاة وصفتها من الزيادات عن أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر وأبى عبد اللّه عليهما السلام انّهما قالا لا يقطع الصّلاة الّا اربع الخلاء والبول والرّيح والصوت وربما يؤيده أيضا عموم آية
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
وامّا الاستدلال عليه بحديث رفع الخطاء والنسيان على ما نقلنا في المنتهى فقد عرفت مرارا ما فيه من المناقشة بامكان حمله على رفع المؤاخذة وان ترتّب عليهما بعض الأحكام الوضعيّة ويمكن تأييده أيضا بصحيحة فضيل بن يسار المتقدمة وقوله عليه السّلام فيها وان قلّب وجهه عن القبلة بحمله على التقليب سهوا كما ذكرنا وامّا الوجه الثاني فممّا يمكن ان يستدلّ به عليه امّا على عدم وجوب إذا تذكّر خارج الوقت فالأصل أيضا كما ذكرنا لان القضاء فرض مستأنف فلا بدّ له من دليل ولا دليل فينتفى بالأصل وامّا على وجوب الإعادة إذا تذكر في الوقت فقول أبى جعفر عليه السلام في صحيحة زرارة المتقدمة الالتفات يقطع الصّلاة إذا كان بكله فإنه بعمومه يشمل العمد والسّهو وكذا قول أبى عبد اللّه عليه السلام في حسنة الحلبي المتقدمة إذا التفّت في صلاة مكتوبة من غير فراغ فأعد الصّلاة إذا كان الالتفات فاحشا فإنه بظاهره يشمل العمد والسّهو أيضا وامّا قوله عليه السلام في صحيحه عمر بن اذينة المتقدمة فإن لم يجد الماء حتى يلتفت فليعد الصّلاة وفي حسنة الحلبي المتقدمة فإن لم يقدر على ماء حتى ينصرف بوجهه أو يتكلم فقد قطع صلاته وفي رواية محمد بن مسلم المتقدمة فإذا حوّل وجهه فعليه ان يستقبل الصّلاة استقبالا ففي ظهور شمولها للسّهو تامّل بل الظاهر منها كما يظهر منه بالتّامّل فيها انما هو الالتفات والانصراف والصّرف والتعويل عمدا فلا يمكن الاستدلال بها ولا يخفى ان الرّواية الأولى من الرّوايتين اللّتين استدللنا بهما مقيدة بما إذا كان بكله والثانية بما إذا كان فاحشا ولا يبعد بقرينة الرّواية الأولى حمل الفاحش أيضا على ما إذا كان بكله أو تقييد الرواية الثانية أيضا بما إذا كان بكلّه بقرينة الرواية الأولى وحمل الفاحش على التفات يخرج به عن سعة جهة القبلة إلى حدّ اليمين واليسار ليصحّ حمله على ما يشمل السهو أيضا لما نقلنا سابقا من عدم ظهور خلاف منهم في أنه لا شيء في الالتفات سهوا إذا لم يبلغ إلى أحد الجانبين لكن على هذا يشكل الاستدلال بها على شمولها للسهو لمن حكم بقطع الصّلاة بما دونه عمدا كما هو المشهور إذ كما يمكن حمل الفاحش على ما ذكرنا يشمل الصّورتين وان قطع الصّلاة بما دونه يمكن ان يحمل على ما إذا خرج به عن سعة جهة القبلة التي يجوز الصّلاة إليها اختيارا ويخصّ بصورة العمد لئلّا يحتاج إلى العناية المذكورة وكون الاوّل اظهر من الثاني غير ظاهر ومنه يظهر ان الاستدلال بالرّواية الأولى أيضا لا يخلو عن اشكال إذ على تقدير حملها على ما يشمل السّهو لا بدّ من تقييدها في صورة العمد بالخروج عن سعة القبلة وفي السّهو بما إذا
بلغ أحد الجانبين وهو لا يخلو عن تكلّف فلا يبعد تخصيصها بصورة العمد فقط وحمل الالتفات على الخروج المذكور سابقا لئلا يحتاج إلى التكلف المذكور وبالجملة فالحكم بوجوب الإعادة بهاتين الروايتين في صورة على المشهور من أن القبلة لا تسع ما بين المشرق والمغرب الا مع العذر لا يخلو عن اشكال وعلى تقديره فينبغي الاقتصار فيه على ما إذا كان بتمام البدن كما نقلنا سابقا عن الشارح وامّا جعله شاملا للالتفات بالوجه أيضا إلى ما وراه على القول بحرمة الالتفات بالوجه كذلك كما هو المشهور أو إلى اليمين واليسار أيضا على قول ولد المصنف فضعيف جدّا لعدم دلالتهما عليه أصلا فتأمل ويمكن ان يستدل أيضا بأنه اخلّ بشرط الواجب مع بقاء وقته والاتيان به على شرطه ممكن فيجب كما لو اخلّ بطهارة الثوب وفيه ان الشرطية مطلقا غير مسلّم بل المسلم بالاجماع والآية والروايات ليس الا عدم صحة الصّلاة مع الاخلال بالقبلة في شيء من اجزاء الصّلاة فلا بدّ له من دليل بل قد أشرنا سابقا إلى أن بطلانها بذلك اى بالاخلال بها فيما لم يقع فيه شيء من اجزاء الصّلاة مع التعمد أيضا غير ظاهر هذا مع الالتفات بتمام البدن وامّا في صورة الالتفات بالوجه خاصة إلى ما وراه مطلقا فلو تمسّك بهذا الدليل يصير في دائرة المنع فتأمل ويمكن ان يستدل أيضا بصحيحة في باب وقت الصّلاة في يوم الغيم والتهذيب باب القبلة وكذا باب تفصيل ما تقدم ذكره في الصّلاة عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال إذا صلّيت وأنت على غير القبلة واستبان لك انك صلّيت وأنت على غير القبلة فأعد وانّك فإنك الوقت فلا تعد ورواها في التهذيب في الباب الأول عن عبد الرحمن المذكور بسند غير صحيح أيضا بأدنى تفاوت في المتن وجه الاستدلال انه تشمل باطلاقها السّاهى فيجب عليه الإعادة مع التذكر في الوقت وعلى تقدير ان يكون الظاهر منه هو الظان بناء على أنه الغالب فنقول انه إذا وجب الإعادة في الظّان ففي السّاهى بطريق أولى لتقصيره بخلاف الظانّ ولهذا ذهب بعض الأصحاب في مسئلة من صلّى إلى غير القبلة إلى وجوب القضاء فيه على السّاهى إذا تجاوز ما بين المشرق والمغرب ولم يبلغ الاستدبار مع اجماعهم على عدم وجوب القضاء على الظّانّ لغير المستدبر كما سبق تفصيله هناك وفيه ان الظاهر من الرّواية وقوع كل الصّلاة إلى غير القبلة وشمولها لمن وقع بعض صلاته إلى غيرها غير ظ على انّ أولوية السّاهى بوجوب الإعادة من الظان غير مسلّم بل لكل منهما أولوية بوجه كما يظهر بالتّامل فتأمل واعلم انّ في الفقيه روى عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه وطريقه اليه صحيح انه سئل الصّادق عليه السلام عن رجل أعمى صلّى على غير القبلة فقال ان كان في وقت فليعد وان كان قد مضى الوقت فلا يعد قال وسألته عن رجل وهي متغيّمة ثمّ انجلت فعلم أنه صلّى إلى غير القبلة فقال ان كان في وقت فليعد وان كان الوقت قد مضى فلا يعد ولا يخفى ان الظاهر