وان لم يكونا مع البكاء باعتبار دخولها في ذكر اللّه ومناجاة الرّبّ والتكلّم مع اللّه المستثناة في الأخبار السّابقة وهذا لا يصلح اعتراضا على الشارح هاهنا لان كلامه كما صرّح به في اوّله انما هو فيما لا يدخل في الدعاء والذكر فإذا دخل التّأوّه أو الأنين في أحدهما فلا كلام له فيه وعلى هذا فما أورده هذا المحقّق عليه ان كان على هذا الحكم كما هو ظاهر سياقه حيث اكتفى في نقل كلام الشارح بهذا القدر فهو ممّا لا وجه له كما يظهر بالتأمل فيما ذكره من الوجوه بعد ما حصلت خبرا بما حقّقنا لك فينبغي حينئذ ان يحمل ايراده على أنه ايراد على ما ذكره ثانيا من أنه لو خرج منه حرفان بحيث لا يصدق عليهما اسم الكلام فكما مرّ في التنحنح بأنه لا ينبغي التردّد فيه بل ينبغي الحكم لجوازه بناء على ما ذكره من الوجوه وحينئذ فله وجه لانّ البكاء كثيرا ما توجب خروج حرفين كما في التنحنح فالترغيب فيهما ظاهر في تجويزهما والّا لكان ينبغي الأشعار والثاني ان يكون كلامه في الموضعين فيما يصدر بسبب البكاء والتفصيل فيه بأنه ان صدر بها ما يصدق عليه الكلام عرفا ولا يكون بقرآن ولا دعاء ولا ذكر فتبطل الصّلاة باعتبار ذلك الكلام وان جوّز البكاء الموجبة له وان صدر بها حرفان لا يصدق عليهما الكلام امّا لعدم كونهما موضوعين على زعمه أو لعدم تميزهما فكما مرّ في التنحنح وحينئذ يكون ايراد هذا المحقّق على الموضع الاوّل أيضا وعلى هذا أيضا الأقرب عندي ما ذكره الشارح فان صدور حرفين متميّزين يصدق عليهما الكلام عرفا بسبب البكاء ان فرض تحققه فلا شكّ أنه يكون نادرا ومع ندرته فجعل تجويز البكاء بل الترغيب اليه دليلا لتجويزه واستثنائه عن المنع الكلى عنه بعيد جدّا بل الظاهر حينئذ ابقاء عموم المنع بحاله نعم لو كان استلزامه له غالبا أو كان لا أقل شائعا كثيرا توجه ما ذكره هذا المحقق من أن المنع عن الكلام كما أنه عامّ كذلك تجويز البكاء فتخصيص هذا بذاك ليس أولى من العكس بل العكس أولى لموافقته للأصل وامّا ما نقله عن اللغة عن انه قد يكون مع الصوت ففيه ان اشتمال البكاء على الصوت امر شائع لا مجال لإنكاره لكن الصوت اللازم له لا يستلزم الكلام لا كليّا ولا غالبا أو شائعا فتخصيصه بما لا يكون كلاما بقرينة عموم المنع عن الكلام ليس امرا غير ظاهر وما ذكره من اجمال اوّله البطلان لا عمومه فليس كذلك فان ما نقلوه من الاجماع ظاهر في غير ما استثنوه وكذا ظاهر الأخبار الكثيرة كما نقلنا العموم وليس عموم ما ورد في جواز البكاء للآخرة باظهر منها كما يظهر بالتامّل في الجميع ثمّ انه رحمه الله في جملة الأدلة على جواز البكاء ما رواه الصّدوق في الفقيه قال الصّادق عليه السلام كلّما ناجيت به ربّك فليس بكلام قال ولا شكّ ان البكاء مع أيّ كلام كان فهو أفضل المناجاة ولا يظهر منه مراده فان المناجاة لا يعتبر فيها البكاء بوجه وكون البكاء مع أيّ كلام كان من أفضل المناجاة انما يعلم بعد ما ثبت جواز البكاء للآخرة وحسنها فالتمسّك به في مقام اثبات جوازها وورد ان كان غرضه منه اثبات جوازها في خصوص الصّلاة بعد ما ثبت عموم فضلها بان المناجاة مع البكاء أفضل المناجاة بالأدلة العامة على فضل البكاء فإذا دلّ هذا الخبر على جواز المناجاة في الصّلاة فيدلّ على جوازها مع البكاء أيضا لأنه أفضل المناجاة فمع بعده عن سياق كلامه لأنه ذكر في الادلّة الاخبار الخاصّة والعامة جميعا فيظهر منه انه لم يجعل في هذا المقام فضل البكاء امرا مسلّما يتوجّه عليه ان الصّلاة حقيقة لا سبيل للعقل إلى معرفة ما يصحّ فيها وما ينافيها فربما كان البكاء امرا منافيا لها بخلاف المناجاة فتجويز المناجاة فيها لا يدلّ على تجويز البكاء أيضا وان كانت المناجاة مع البكاء أفضل في غيرها وان أراد انّ البكاء نفسها لذكر الآخرة مناجاة فيظهر من الخبر جوازها ففيه بعد تسليم كونها مناجاة ان ظاهر الخبر ان المناجاة التي من جنس الكلام ليست بكلام ممنوع عنه في الصّلاة ولا يدلّ على جواز كل مناجاة فيها حتى يستدلّ به على جواز البكاء أيضا فيها باعتبار انّها مناجاة على أن قوله مع أيّ كلام كان على هذا التوجيه لغو محض لا دخل له في المقصود أصلا كما لا يخفى وان كان غرضه رد
آخر على الشارح حيث منع من الكلام مع البكاء بان البكاء مع أيّ كلام كان أفضل المناجاة فلا وجه للمنع عنه ففيه انه ان أراد به أيّ كلام كان مطلقا فلا يخفى فساده وان أراد به أيّ كلام كان ممّا شاع مع البكاء من التّأوّه والأنين وح كونه من المناجاة وأفضلها ممّا لا استبعده لكن قد عرفت ان الظاهر أن كلام الشارح ليس في مثله فإنه فرض الكلام ممّا ليس بقراءة ولا دعاء ولا ذكر فإذا كان الأنين والتّأوّه داخلا في الذكر والمناجاة فلا كلام له فيه وان أراد به أيّ كلام كان الذي حدث بسبب البكاء والصوت المشتملة هي عليه ففيه أنّ البكاء لذكر الآخرة بنفسها هب انها مناجاة لكن الكلام الحادث بسببها إذا لم يكن من جملة الدعاء والذكر ليس بمناجاة وليس أيضا للزومه للبكاء دائما أو اكثريّا أو شائعا فتجويز المناجاة في الصّلاة لا يدلّ تجويزه أيضا فتأمل
قوله وترك القهقهة
قال في المعتبر القهقهة عمدا تبطل الصّلاة وعليه الاتفاق وقال في المنتهى ويجب عليه ترك الضحك في الصلاة لا التبسّم فلو قهقه عمدا بطلت صلاته سواء بان حرفان أو لا وهو مذهب أهل العلم كافة وكذا الاتفاق وقع على أن التبسّم لا يبطل الصلاة عمدا وسهوا وفي الذكرى وشرح الإرشاد أيضا ادّعى الاجماع في الموضعين وفي المدارك بعد ما نقل الاتفاق في التبسّم ولا ريب في كراهة لمنافاته الخشوع المط في العبادة وفي شرح الارشاد اقتصر على الحكم بكراهته وفي الذكرى جعل الأقرب كراهته ويدلّ عليه أيضا مع الاجماع روايات كموثقة الكافي باب ما يقطع الصّلاة بطريقين عن سماعة ورواها في التهذيب أيضا باب كيفيّة الصّلاة من الزّيادات بأحد الطريقين قال سألته عن الضّحك هل يقطع الصّلاة قال امّا التبسّم فلا يقطع الصّلاة وامّا القهقهة فهي مقطوع الصّلاة وحسنة الكافي والتهذيب بإبراهيم في البابين المذكورين عن زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال القهقهة لا تنقض الوضوء وتنقض الصّلاة وصحيحة التهذيب الباب الأول من كتاب الطهارة عن ابن أبي عمير عن رهط سمعوه يقول إن التبسّم في الصّلاة لا ينقض الصّلاة ولا ينقض الوضوء انما يقطع الضّحك الذي فيه القهقهة اى الصّلاة دون الوضوء بقرينة ان القطع لا يقال الا في الصّلاة لأنه لم تجر العادة بان يقال انقطع وضوئى وانما يقال انقطعت صلاتي كذا في التهذيب ومرسلة الفقيه باب صلاة المريض والمغمى عليه قال قال الصّادق عليه السلام لا يقطع التبسّم الصّلاة ويقطعها القهقهة ولا تنقض الوضوء وفي روايات العامة أيضا عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنه قال من قهقه فليعد صلاته وعن جابر بن عبد اللّه ان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله قال القهقهة تنقض الصّلاة
قوله وان لم يكن فيه ترجيع ولا شدّة
قلت لما ذكر بعض اللّغويّين كصاحب القاموس انّ القهقهة هي الترجيع في الضّحك أو شدة الضّحك أشار الشارح إلى أن المراد هاهنا هو مطلق الضحك المشتمل على الصوت ولم يشترط فيه أحد الامرين ولعله استفاد ذلك من وقوعها في الاخبار مقابل التبسّم
التعليقات على شرح اللمعة الدمشقية — صفحة 251
مساهمون: جمال الدين محمد الخوانساري
ص٢٥١