لم نكونه مجرّد امر دنيوىّ مستبعد محلّ تامّل أيضا فان ما وجدنا من الاخبار في ذلك لا يدلّ على حصول الثواب بذلك باعتبار حسن صدور ذلك وفعله حتى يستبعد كونه امرا دنيويّا بل انما تدل على حصول الثواب بذلك باعتبار انّه مصيبة ومحنت ومشقّة وصلّت اليه فاللّه سبحانه يتفضّل عليه بتداركها في الآخرة وهذا لا يفيد استبعاد كونه امرا دنيويّا نعم لو منع على تقدير وقوع الإجماع في البكاء للدّنيا أو للأمور الدنيوية كون مطلق البكاء للولد وبعض الأحبّة منه بناء على أن المتبادر منه ما يكون لفقد مال وجاه ونحوهما الذي يشعر بخسّة النّفس ودناءة الهمّة لا ما حبّل عليه الطبع عند فقد الاحبّة لكان له وجه وامّا الوجوه التي ذكرها فلا يصلح سندا لذلك فتأمل ثمّ قال رحمه الله بعيد ذلك وأيضا يدلّ على عدم كون البكاء لفقد المحبوب من الأمور الدّنيوية ما ذكر من الثّواب للبكاء على رسول اللّه وأهل بيته عليهم السلام سيّما على الحسين عليه السلام مع عدم النظر إلى الأمور الاخرويّة بل لمجرّد الفقد شفقة ومحبّة لهم عليهم السلام فتأمل انتهى والظاهر أن المحبوب الذي مثّل البكاء للدّنيا بالبكاء عليه أريد به المحبوب الذي يكون حبّه باعتبار قرابة أو صداقة أو انس ونحوها ولو كان باعتبار وصول نفع دنيوىّ منه اليه أو اعتقاد امكان وصوله فالامر اظهر وامّا ما كان حبّه للدّين بل عينه كرسول اللّه والأئمّة عليهم السلام فالبكاء عليه للدّين لا للدّنيا وان وقعت لمجرّد حبّهم عليهم السلام من غير التفات إلى كونه مندوبا إليها ولو وقعت بسبب ذلك فالأمر اظهر ولا يخفى انّ ميّتا له الوارد في الرواية أيضا ظاهره ما ذكرنا ولا يشمل الأنبياء والأئمّة عليهم السّلام وكلّ من كان من هذا القبيل وامّا بعد حمل الميّت على ما ذكرنا فلا حاجة إلى ضمّ شيء آخر كما ذكره اوّلا مستند إلى ما ذكره من الوجوه لما ذكرنا من ضعفها وكانّ صاحب المدارك رحمه الله أيضا تبعه فيه حيث مثّل البكاء لشئ من الأمور الدّنيا بذكر ميّت أو ذهاب مال ينفع بهما في دنياه فتأمل
قوله وان وقع على وجه قهرىّ
قلت اى وان وقع البكاء على وجه القهر والغلبة بحيث لا يمكن دفعه وهذا على احتمال والاحتمال الآخر عدم البطلان إذا كان كذلك قال في الذكرى ولو كان مغلوبا على البكاء لأمور الدّنيا فالظاهر الفساد أيضا لإطلاق النصّ وان زال الاثم قال ولو بكى ناسيا لم يبطل لعموم رفع الخطأ عن النّاس انتهى وكان وجه الاحتمال الآخر توهّم ان رفع الاثم يوجب عدم الفساد أيضا وهو كما ترى أو انّه يمكن ادخاله فيما اكرهوا عليه الوارد أيضا في رواية الرّفع فيكون مرفوعا عنهم كالنسيان وله وجه لكن قد عرفت انّ الظاهر من الرفع فيهما هو رفع المؤاخذة والاثم لا رفع الأثر مطلقا فلا يدلّ على عدم الفساد فيهما الّا انّ الحكم لما كان على خلاف الأصل والنصّ لا يصلح للتعويل وانما التعويل فيه على الاجماع أو الشهرة فيقتصر فيه على ما تحقق قولهم بالفساد فيه ومع النّسيان بل مع الغلبة أيضا ليس كذلك فالظاهر بناء الحكم فيهما على الأصل والعمل بالاحتياط
قوله واحترز بها عن الآخرة فانّ البكاء لها لذكر الجنّة والنّار إلى آخره
وفي النصّ السّابق التصريح به ويدلّ عليه أيضا رواية التهذيب باب كيفية الصّلاة وصفتها من الزّيادات عن سعيد يباع السّابرى قال قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام أيتباكى الرّجل في الصّلاة فقال بخّ بخ ولو مثل رأس الذّباب ورواية الفقيه باب وصف الصّلاة من فاتحتها إلى خاتمتها عن منصور بن يونس بزرج وطريقه اليه انّ منصورا واقفىّ ثقة انه سأله اى الصّادق عليه السلام عن الرجل يتباكى في الصّلاة المفروضة حتى يبكى فقال قرّة عين واللّه وقال إذا كان ذلك فاذكرني عنده ويؤيّده أيضا ما رواه العامة عن مطرف عن أبيه قال رايت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وهو يصلّى ويصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء الأزيز بالزاءين هو الغليان وقيل صوته والمرجل قدر من نحاس وقيل كلّ قدر كذا في المغرب هذا مع الرّوايات العامة في البكاء للّه قال في الفقيه في الباب المذكور وروى أنه ما من شيء الّا وله كيل أو وزن الّا البكاء من خشية اللّه عزّ وجلّ فان القطرة منه تطفئ بحارا من النيران ولو انّ باكيا في امّة لرجموا وكلّ عين باكية يوم القيمة الا ثلاثة أعين عين بكت من خشية وعين غضّت عن محارم وعين ماتت ساهرة في سبيل اللّه قال في المدارك وقد صحّ عن النّبى صلّى اللّه عليه وآله أنه قال لأمير المؤمنين عليه السلام في جملة وصيّته له والرّابعة كثرة البكاء للّه يبنى لك بكل وسعة الف بيت في الجنّة
قوله من أفضل الأعمال
بل يستحبّ التباكي وهو تكليف البكاء لمن لا يقدر عليه كذا في شرح الشرائع
قوله ولو خرج منه حرفان فكما سلف
بقوله وفي اشتراط كون الحرفين موضوعين لمعنى فعلى ظاهر ما حققه الشارح ان اعتبر الوضع في الكلام فإن كان الحرفان غير موضوعين فلا عبرة بهما وان كانا موضوعين ابطلا الصّلاة وان لم يعتبر الوضع فيه ابطلا مطلقا وعلى ما حقّقنا سابقا لا عبرة بالوضع بل إن كانا غير متميّزين فلا عبرة بهما وان كانا متميّزين احتمل البطلان لأنهما حرفان فيكون كلاما بناء على اطلاق تفسيره بالحرفين ويحتمل عدمه بناء على عدم صدق الكلام عليهما عرفا فتدبّر ثمّ ان الشارح رحمه الله في شرح الارشاد بعد ما ذكر جواز البكاء لأمر الآخرة بل انّه أفضل الأعمال قال هذا إذا لم يشتمل على كلام ليس بقرآن ولا دعاء ولا ذكر والّا لابطل أيضا ولو خرج منه حرفان بحيث لا يصدق عليهما اسم الكلام فكما مرّ في التنحنح وقطع المصنف هنا أيضا بعدم البطلان بهما انتهى وذكر المحقق الأردبيلي رحمه الله انه يفهم من الترتيب على البكاء لأمور الآخرة بالآية العامة والاخبار كذلك عدم البطلان به ولو كان مع صدور الحرفين ويسمى كلاما أيضا ينبغي الإشعار في الأخبار مع أن ظاهر الاخبار العموم وانّه مطلوب على أيّ وجه كان وأيضا نقل عن اللغة انه قد يكون مع الصوت ولا شكّ انّه مراد التخصيص في الصّوت غير ظاهر مع أدلة البطلان به كان مجملا لا عامّا بحيث يظنّ الشمول لما نحن فيه والعمدة الاجماع وهو غير ظاهر فيما نحن فيه لا بالعموم ولا بالخصوص فقول الشارح هذا إذا لم يشتمل على كلام ليس بقرآن ولا دعاء والّا لابطل أيضا إلى آخره غير ظاهر الدّليل فكأنه خصّص هذه الأدلة بتلك فيق على تقدير التّساوى فهو ليس بأولى من العكس بل الأصل يرجحه انتهى ولا يخفى ان كلام الشارح رحمه الله يحتمل وجهين أحدهما ان يكون مراده بقوله هذا إذا لم يشتمل إلى قوله والّا لابطل أيضا بيان انّ تجويز البكاء وعدم بطلان الصّلاة بها انما هو إذا لم تكن مع كلام خارج عنها غير جائز في الصّلاة وامّا إذا تكلم بكلام كذلك كما قد شاع في البكاء انه يتكلم معها بكلمات فتبطل الصّلاة باعتبار ذلك الكلام ويكون مراده بقوله ولو خرج منها حرفان إلى آخره بيان حكم الحرفين اللذين قد يظهر بسبب البكاء في الصوت الذي اشتملت البكاء عليه كما في التنحنح والظاهر أن حكمه الاوّل حينئذ ممّا لا غبار عليه إذ تجويز البكاء لا يستلزم تجويز الكلام الممنوع عنه في الصّلاة إذا لم يكن حدوثه بسبب البكاء ولا البكاء مستلزما له بوجه وان فرض شيوع مقارنته مع البكاء لكن حكمه بالابطال ينبغي ان يخصّ بصورة العمد وامّا مع السّهو فلا يوجب الّا سجدتي السّهو نعم قد ظهر ممّا سبق منّا انه يمكن القول باستثناء التّأوّه والأنين لأمور الآخرة
التعليقات على شرح اللمعة الدمشقية — صفحة 250
مساهمون: جمال الدين محمد الخوانساري
ص٢٥٠