من الضّعفاء فيشكل التّعويل في هذا الحكم المخالف للأصل عليهما وذكر في الفقيه أيضا باب وصف الصّلاة من فاتحتها إلى خاتمتها انه روى أن البكاء على الميّت يقطع الصّلاة والبكاء لذكر الجنّة والنّار من أفضل الأعمال والظاهر أنه إشارة إلى رواية أبى حنيفة وعلى تقدير ان يكون غيرها أيضا فلا يصلح للتعويل ومع ذلك فالرّوايتان مخصوصتان بالبكاء على الميّت فلا يدلّان على تمام المدعى لكن ينبغي رعاية الاحتياط في كلّ باب واللّه الموفّق للصواب
قوله وهو ما اشتمل منه على صوت
قلت نقل في شرح الارشاد عن الجوهري أنه قال البكاء تمدّ وتقصر فإذا مدّت أريدت الصّوت الذي يكون مع البكاء وإذا قصرت أريدت الدّموع وخروجها قال الشاعر بكت عيني وحقّ لها بكاها وما يفنى البكاء ولا التعويل انتهى ولا يخفى ان المستفاد من كلام الجوهري انّ البكاء بالمدّ هو الصّوت الذي يكون مع البكاء البكاء المشتمل على الصوت كما ذكره الشارح الا ان يحمل كلام الشارح على بيان المراد بالبكاء لا أصل المعنى اللغوي ثمّ لا يخفى ان ضمير منه في كلام الشارح ينبغي ان يرجع إلى البكاء مقصورا ففيه نوع من الاستخدام فلا تغفل
قوله مع احتماله لأنه البكاء مقصورا
فيحتمل حمل النصّ عليه فهذا دليل لقوله مع احتماله وقوله والشّك مبتداء وقوله واصالة عطف عليه وقوله معارض خبر المبتدأ والمراد كما افاده سلطان العلماء انه لو قيل من جانب الاحتمال المرجوح وهو حمل البكاء على المقصور انّ الوارد في النصّ مشكوك فيه انّه مقصور أو ممدود والأصل عدم المدّ فيحكم بالمنع والبطلان في المقصور أيضا قلنا هذا معارض باصالة صحة الصّلاة إلى آخره ويمكن ان يقرأ الشّك بالجرّ عطفا على المجرور في لانّه ويكون من تتمّة دليل الاحتمال ويكون
قوله واصالة
بالرّفع على الابتداء إلى آخره إشارة إلى السّؤال والجواب المذكورين وفيه بعد والأظهر على تقدير الخبر ان يجعل قوله لأنه دليل على ما فسّره اوّلا لا لقوله مع احتماله مهملا محالا على ما يستنبط من كلامه ويكون حاصل الدليل ان خروج الدّمع هو البكاء مقصورا وما ورد منه في النصّ مشكوك انه مقصور أو ممدود فلا يحكم بالمنع والبطلان الا في الممدود اقتصارا على المتيقن ويكون قوله واصالة عدم المدّ إلى آخره إشارة إلى المعارضة من جانب الاحتمال المرجوح مع جوابها وعلى الوجوه قوله فيبقى الشك إلى آخره من تتمة جواب السؤال لكن يظهر منه على الأوليين دليله على تفسيره المختار فلذا لم يتعرّض له قبله وعلى الثالث يظهر منه دليل آخر لان ما قبل السّؤال والجواب بضميمة ما ذكرنا بقولنا فلا يحكم بالمنع والبطلان إلى آخره ودليل تامّ له وقوله فيبقى الشّك إشارة إلى دليل آخر له ويمكن على الوجه الأخير ان لا يجعل قوله فيبقى الشك من تتمة جواب السؤال بل يقال انّ جوابه قد تم عند قوله معارض باصالة صحة الصّلاة وقوله فيبقى الشّك إلى آخره متفرّعا على ما سبقه من الشّك والسؤال والجواب تتمة الدليل وحينئذ فلا يحتاج في توجيه كلامه إلى الضميمة التي ذكرناها ولعل هذا التوجيه أدق وأولى وان كان الأول أظهر فتدبّر
قوله والشّك في كون الوارد منه في النصّ قلت النص
هو ما روى عن أبي حنيفة قال سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن البكاء في الصّلاة أيقطع الصّلاة قال إن بكى لذكر جنّة أو نار فذلك هو أفضل الأعمال في الصلاة وان كان ذكر ميّتا له فصلاته فاسدة ولا يخفى انه ليس في كلامه عليه السلام لفظ البكاء حتّى يقال اصالة عدم المدّ الا ان يقال انّ وجوده في كلام السّائل كاف في المرام وذلك لانّ الظاهر أنه مراد السّائل أو يقال إن الأصل عدم إرادة الزائد عن خروج الدّمع لكن لا يخفى ضعف التمسّك بمثل هذا الأصل نعم يمكن ان يقال إن الظاهر من البكاء عرفا هو اخراج الدّمع مطلقا فحملها على خصوص ما كان من الصّورة بعيد بل هذه التفرقة وحديث الصوت وعدمه لم يشتهر بين اللّغويين أيضا ولذا لم يتعرّض لها في القاموس فالظاهر منها لغة أيضا هو الاطلاق الّا انه لما كانت الرواية ضعيفة السّند جدّا فلا يبعد الاقتصار في البطلان المخالف للأصل على موضع الاجماع أو الشهرة العظيمة وهو ما كان مع الصوت لم يوجد الّا في كلام الشارح ومن يحذو حذوه من المتأخرين لا في كلام القدماء الذين يعتدّ بفتاواهم الا ان يقال إن المتيقن من فتاواهم أيضا ليس الا ما كان مع الصوت لاحتمال المدّ في كلامهم أيضا وان بعد فيقتصر على المتيقن والأحوط التحرّز عنه مطلقا في الصّلاة ما أمكن وإذا وقع مقصورا ان يتم الصّلاة ويعيدها ولو فعل ذلك في الممدود أيضا لكان أحوط واللّه تعالى يعلم
قوله فيبقى الشك في عروض المبطل إلى آخره
قلت لا يخفى ان اصالة صحة الصّلاة ليست الا باعتبار الشك في عروض المبطل وكون المقصور مبطلا وذلك لأنه إذا اتى بافعال امر بها الشارع ولم يتعرض ما يعلم كونه مبطلا بل ما يحتمل ذلك فالأصل صحتها وعدم كون ذلك الامر مبطلا وإذا تعارض هذا الأصل مع اصالة عدم المدّ تساقطا ولا يبقى أصل آخر يرجّح جانب الصحة ويقتضى بقاء حكمها ولو وجه بما افاده سلطان العلماء من أن الأصل الآخر هو اصالة بقاء الصحة السابقة على عروض البكاء فإنما يتم في بعض الصور وهو ما إذا كان عروض البكاء بعد سبق بعض افعال الصّلاة وامّا إذا عرض في اوّلها فلا وهو ظاهر بل يمكن ان يقال حينئذ باصالة بقاء عدم الاتيان في الصّلاة بعد فتدبّر
قوله وانما يشترط ترك البكاء للدّنيا
قد عرفت ان النص الذي جعلوه مستند الحكم مخصوص بالبكاء لذكر ميّت له لكنّهم أطلقوا البكاء للدّنيا فربما كان لهم في الابتداء مستند آخر لم يصل الينا أو انهم زعموا امكان قياس غيره من الأمور الدّنيويّة عليه بطريق أولى وان كان فيه ما فيه وذكر المحقق الأردبيلي رحمه الله في شرح الارشاد ان الظاهر أن البكاء لفقد الميّت لا يطلق عليه الامر الدّنيويّة الا ان يضمّ اليه شيء ويبعد كونه مطلقا كذلك فإنه نقل عنه صلّى اللّه عليه وآله البكاء على إبراهيم وكذلك عن الأئمة ويبعد ارتكابهم عليهم السلام امرا يكون محض دنيوىّ ولا يحصل عليه الثواب مع انّا نجد انّ الاخبار دالّة على حصول الثواب للبكاء والّا لم يفقد المحبوب خصوصا الولد فكونه مجرّد امر دنيوىّ مستبعد نعم لو ضمّ اليه امر دنيوىّ كما يوجد في كثير من الناس انه ما بقي له أحد بعينه ويعاونه فلا يبعد واللّه يعلم انتهى ولا يخفى ان الأشكال في دخوله في الامر الدّنيوى مع صراحة مستند الحكم فيه بل اختصاصه به ممّا لا يجدى أصلا وكان نظره رحمه الله إلى ضعف المستند وعدم صلاحيّته للحكم به واحتمال ان يكون الحكم اجماعيّا أو يكون هو المستند فحينئذ ينبغي تحقيق دخول ذلك في الامر الدنيوي إذ الاجماع لو وقع فقد وقع في البكاء للأمور الدنيويّة أو للدنيا كما وقع في عبارات الأصحاب فلا بدّ حينئذ من تحقيق ما يدخل فيه ما ذكروه من استبعاد كونه مطلقا كذلك لما نقل عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله والأئمّة عليه السلام من البكاء لذلك ولا يبعد ارتكابهم عليهم السلام امرا يكون محض دنيوىّ ولا يحصل عليه الثواب فيه تامّل إذ يكفى في فعلهم عليهم السلام لذلك كون ذلك امرا جبليّا وانّهم لم يؤمروا بالمنع عنه ولا حاجة فيه إلى حصول ثواب بذلك وما ذكره أيضا من وجدان الاخبار دالّة على حصول البكاء والّا
التعليقات على شرح اللمعة الدمشقية — صفحة 249
مساهمون: جمال الدين محمد الخوانساري
ص٢٤٩