انتصاف الليل فلا شيء عليه ، معذوراً كان أو غير معذور ؛ لأنّ سودة وامّ سلمة أفاضتا في النصف الأخير بإذن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ولم يأمرهما بدم ولا النفر الذين نفروا معهما .
وعن أبي حنيفة أنّ غير المعذور إن لم يعد ولم يقف بعد طلوع الفجر ليس عليه شيء ، وإن دفع قبل انتصاف الليل وعاد قبل طلوع الفجر فلا شيء عليه أيضاً ، كما لو دفع من عرفة [ قبل الغروب ] وعاد وإن لم يعد وترك المبيت أصلًا أراق دماً ، وهل هو واجب أو مستحبّ ؟ فيه طرق أظهرها أنّه على قولين كما ذكرنا في الإفاضة من عرفة قبل غروب الشمس .
وعن أحمد روايتان كالقولين ، وعند مالك هو واجب .
وقال أبو حنيفة : لا اعتبار بالمبيت وإنّما الاعتبار بالوقوف بالمزدلفة بعد طلوع الفجر ، فإن تركه لزمه دم ، والطريق الثاني في القطع بالاستحباب ، والثالث القطع بالإيجاب . « 1 » انتهى .
وفي الوجيز : « فإذا جمع الحجيج بين المغرب والعشاء بالمزدلفة باتوا بها ، ثمّ ارتحلوا عند الفجر ، فإذا انتهوا إلى المشعر الحرام وقفوا ودعوا » . « 2 » وقال طاب ثراه :
المبيت في المشعر عندنا واجب ، وأمّا العامّة فقد اختلفوا فيه ، قال عياض : لم يختلف في أنّ المبيت بالمزدلفة من المناسك إلّا ما روي عن بعضهم أنّ المزدلفة كغيرها من منازل السفر ، إن شاء نزل بها وإن شاء لم ينزل . ثمّ اختلفوا ، فقال الأكثر هو سنّة ؛ لأنّ إذنه صلى الله عليه وآله لبعض زوجاته بالذهاب إلى منى ليلًا دلّ على أنّه غير واجب .
وقال الشافعيّ وجماعة : إنّه واجب ، من فاته فات الحجّ . « 3 »
هذا ، وأمّا في حال الاضطرار ولصاحب العذر - كصاحب الهمّ والخائف والمريض والمرأة وكفيلها - فيجوز لهم النفر منه ليلًا بعد مسمّى الوقوف ، وهو ركن بالنسبة إليهم .
ويدلّ عليه ما ثبت وسبق من حكاية سودة وامّ سلمة وغيره ممّا يأتي في باب مَن
هامش
( 1 ) . فتح العزيز ، ج 7 ، ص 367 - 369 . وما بين الحاصرات منه .
( 2 ) . فتح العزيز ، ج 7 ، ص 367 .
( 3 ) . انظر : شرح صحيح مسلم للنووي ، ج 9 ، ص 38 - 39 ؛ عمدة القاري ، ج 10 ، ص 16 - 17 .