جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما »
« 1 » ، وهذا رتبة المباح وأيّدوه بأنّ في مصحف أبىّ وابن مسعود :
فلا جناح عليه أن يطّوف بهما ، قائلين : إنّ هذا وإن لم يكن قراناً لكن لا ينحطّ عن رتبة الخبر . « 2 » والجواب عن الأوّل يظهر من مرسلة الصيرفيّ ، « 3 » وقد روى البخاريّ بإسناده عن عروة أنّه قال : سألت عائشة فقلت لها : رأيت قول اللَّه تعالى :
« إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما » ،
« 4 » فوالله ما على أحد جناح أن لا يطّوف بالصفا والمروة . قالت : بئس ما قلت يا ابن أختي إنّ هذه لو كانت كما أوّلتها عليه كانت لا جناح عليه أن لا يطوّف بهما ، ولكنّها أنزلت في الأنصار ، كانوا قبل أن يسلموا يهلّون لمناة الطاعة التي كانوا يعبدونها عند المشلّل ، فكان من أهلّ يتحرّج أن يطوّف بالصفا والمروة ، فلمّا أسلموا سألوا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله عن ذلك ؛ قالوا : يا رسول اللَّه ، إنّا كنّا نتحرّج أن نطوف بالصفا والمروة ، فأنزل اللَّه
« إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ »
، الآية . « 5 » وروى طاب ثراه عن محيي الدِّين البغوي أنّه قال :
إنّ اناساً من الأنصار كانوا يرون أنّ الطواف بين الصفا والمروة من أمر الجاهليّة ، وقال آخرون : إنّما أمرنا بالطواف بالبيت ، ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة ، فنزلت الآية .
ومن طريق آخر لهم : أنّ الجاهليّة كانوا يهلّون لمناة على شطّ البحر ، ثمّ يجيئون فيطوفون بين الصفا والمروة ، ثمّ يحلقون ، فلمّا جاء الإسلام تحرّجوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهلية ، فأنزل اللَّه الآية . « 6 »
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 158 .
( 2 ) . المغني لابن قدامة ، ج 3 ، ص 407 - 408 ؛ الشرح الكبير لعبد الرحمن بن قدامة ، ج 3 ، ص 504 .
( 3 ) . الحديث الثامن من هذا الباب من الكافي .
( 4 ) . البقرة ( 2 ) : 158 .
( 5 ) . صحيح البخاري ، ج 2 ، ص 169 ، باب وجوب الصفا والمروة ، وص 202 - 203 ، باب طواف الوداع ؛ وج 5 ، ص 153 ، كتاب تفسير القرآن . ورواه أيضاً مسلم في صحيحه ، ج 4 ، ص 68 و 69 .
( 6 ) . صحيح مسلم ، ج 4 ، ص 68 ، باب بيان أنّ السعي بين الصفا والمروة ركن ؛ السنن الكبرى للبيهقي ، ج 5 ، ص 96 ؛ معرفة السنن والآثار ، ج 4 ، ص 85 ؛ مسند ابن راهويه ، ج 2 ، ص 189 .