الأصحاب على عدم اشتراطه به ، قائلين : إنّ اشتراط صحّتها به إنّما يكون موجباً لتكليفهم بما لا يُطاق إذا لم يكن الإيمان مقدوراً لهم ، وقدرتهم عليه ظاهرة ، كيف لا وهم مكلّفون به بالضرورة عندهم أيضاً ؟ ! فلا فرق بين تكليفهم بها وتكليف الجنب في وقت الزوال بالصلاة ، والفرق بينهما من غير فارق ، والآيات والأخبار شاهدتان عليه . والشرطان الأوّلان يجيء القول فيهما .
وأمّا الاستطاعة ، فعلى المشهور من مذهب الأصحاب إمكان المسير بتخلية السرب ، والقدرة على الركوب ، والزاد والراحلة ، ونفقة عياله الواجبي النفقة ذهاباً وإياباً ؛ لما ذكره في الباب وغيره ، وسيأتي بعضها . ولا يشترط بالرجوع إلى كفاية من صناعة أو بضاعة أو ضياع ونحوها ؛ لعموم النصوص .
واشترطه المفيد قدس سره حيث قال في المقنعة :
والاستطاعة عند آل محمّد عليهم السلام للحجّ بعد كمال العقل وسلامة الجسم ممّا يمنعه من الحركة التي يبلغ بها المكان ، والتخلية من الموانع بالإلجاء والاضطرار ، وحصول ما يلجأ إليه في سدّ الخلّة من صناعة يعود إليها في اكتسابه ، أو ما ينوب عنها من متاع أو عقار أو مال ، ثمّ وجود الراحلة بعد ذلك والزاد .
وروى أبو الربيع الشامي عن الصادق عليه السلام قال : سُئل عن قوله عزّ وجلّ :
« مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا »
« 1 » قال : « ما يقول فيها هؤلاء ؟ » فقيل له : يقولون الزاد والراحلة ، فقال عليه السلام :
« قد قيل ذلك لأبي جعفر فقال : هلك الناس إذا كان من كان له زاد وراحلة لا يملك غيرهما أو مقدار ذلك ممّا يقوت به عياله ويستغني به عن الناس ، فقد وجب عليه أن يحجّ بذلك ، ثمّ يرجع فيسأل الناس بكفّه ، لقد هلك الناس إذن . فقيل له : فما السبيل عندك ؟ قال : السعة في المال ، وهو أن يكون معه ما يحجّ ببعضه ويبقي بعض يقوت به نفسه وعياله » . « 2 »
وأورد عليه بأنّ الخبر لا يدلّ على مدّعاه ، بل إنّما يدلّ على وجود ما يخلّفه لنفقة
هامش
( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 97 .
( 2 ) . المقنعة ، ص 384 - 385 ؛ وسائل الشيعة ، ج 11 ، ص 38 ، ح 14181 .