وقال القرطبي : هذا السؤال إنّما كان عن أولاد المشركين ، ومعناه : اللَّه أعلم بما جبلهم وطبعهم عليه ، فمن خلقه على جبلة المطيع دخل الجنّة ، ومن خلقه على جبلة الكفر والفسق دخل النار ، وهذا الثواب والعقاب ليس مرتّباً على التكليف ، وإنّما هو بحكم علمه ومشيّته .
ويحتمل أن يراد : اللَّه أعلم أنّهم على تقدير الحياة أيّ شيء يعملون ، فيُجزون بذلك ، كما دلّ عليه بعض الآثار .
ويحتمل أن يراد : أنّه تعالى أعلم بحالهم في الطاعة والعصيان عند التأجيح .
أقول : الظاهر من هذه الحسنة هو التفسير الأخير ، وليس المراد من المشية في قوله : « للَّه فيهم المشية » أنّه إن شاء عذّبهم ، وإن شاء غفر لهم ، بل المشية التكليفيّة كما هو ظاهر ما بعده .
وقال طاب ثراه :
أهل الفترة هم الأمم الّذين كانوا بين رسولين ، كالفترة الّتي بين إدريس ونوح ، وبين نوح وهود عليهم السلام وكانت ثمانمائة سنة ، والّتي بين صالح وإبراهيم عليهما السلام وكانت ستمائة وثلاثين سنة ، ولكنّ الفقهاء إذا تكلّموا في الفترة فإنّما يعنون الّتي بين عيسى عليه السلام ونبيّنا صلى الله عليه وآله وكانت خمسمائة سنة عندنا كما هو المنقول عن الباقر عليه السلام في كتاب الروضة . « 1 » وذكر البخاري عن سلمان أنّها ستمائة سنة ، « 2 » وهو الّذي أخبر عليه السلام في ذلك الخبر نافع مولى عمر أنّه عقيدته .
ثمّ قال : ومثل هذا الخبر ورد في طريق العامّة أيضاً ، ذكر ابن ماجة « 3 » وأبو عمر « 4 » في التمهيد من أحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله : « أنّه يُعرض على اللَّه الأصمّ الّذي لا يسمع شيئاً والأحمق والهَرِم ورجل مات في الفترة ، فيقول الأصمّ : يا ربّ ، جاء الإسلام ولا أسمع شيئاً ، ويقول الأحمق : يا ربّ ، جاء الإسلام ولا أعقل شيئاً ، ويقول الّذي مات في الفترة : يا ربّ ، ما
هامش
( 1 ) . الروضة من الكافي ، ص 120 ، ح 93 . ومثله في تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 232 .
( 2 ) . صحيح البخاري ، ج 4 ، ص 270 .
وكلام المولى محمّد صالح المازندراني هذا ، مذكورة في شرح أصول الكافي ، ج 2 ، ص 288 إلى هنا .
( 3 ) . لم أعثر عليه في سنن ابن ماجة .
( 4 ) . هذا هو الصحيح ، وفي الأصل : « أبو عمرو » . وروايته في التمهيد ، ج 18 ، ص 127 و 128 و 129 ، وفيه : « المولود » بدل « الأصمّ » ، ومع مغايرة في اللفظ ، وأشار إلى هذا الرواية في ص 130 .