دلالة فيه على أنّ بدن الجنب كان متنجّساً ببعض النجاسات العينيّة ، بل ظاهر تعليق الإفساد على نفس الوقوع في البئر خلافه ؛ فلا مندوحة عن حمله على ذلك .
وأمّا الأخبار المقتضية للنزح فلا تدلّ على النجاسة أيضاً بوجه ، لاحتمال أن يكون النزح لطيبة الماء وزوال النفرة الحاصلة من وقوع تلك الأعيان المستخبثة فيه خاصّة ، بل الظاهر أنّه كذلك كما يشعر به موثّقة أبي أسامة وأبي يوسف المتقدّمة . وإطلاق الدلاء في كثير منها من دون تعيين عددها ، فإنّه في قوّة أن يقال : انزح مقدار ما يزول به النفرة ويطيب معه الماء .
مع أنّ تلك الأخبار شديدة الاختلاف في تعيين أعداد الدلاء في الشيء الواحد على وجه يشكل الجمع بينها والتوفيق بين متنافياتها ، وذلك قرينة قويّة على الاستحباب . وأيضاً فإنّ أكثرها ضعيف السند مجمل الدلالة ، وكثير من النجاسات خالية من النصّ مطلقاً ؛ فيشكل - على القول بالنجاسة - القول بالطهارة بالنزح في غير ما اعتبر حديثه ، وهو قليل جدّاً . وهذا من أكبر القرائن على ما قلناه .
[ الاستدلال على عدم انفعال الماء إذا كان بمقدار كرٍّ وانفعاله إذا كان ناقصاً عنه والرد عليه بعدم انفعاله وإن كان ناقصاً عن الكرّ . ]
احتجّ المفصّل ببلوغ الكرّيّة وعدمه - وهو محمّد بن محمّد البصروي « 1 » من قدماء أصحابنا - بعموم الأدلّة الدالّة على اعتبار الكرّيّة كقوله عليه السلام في صحيحتي محمّد بن مسلم ومعاوية بن عمّار : « إِذَا كَانَ الْمَاءُ قَدْرَ كُرٍّ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ » ، وبرواية الحسن بن صالح الثوري عن الصادق عليه السلام ؛ قال : « إِذَا كَانَ الْمَاءُ فِي الرَّكِيِّ كُرّاً لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ » « 2 » ، والركيّ هي الآبار لغةً وعرفاً .
هامش
( 1 ) . نقله عنه في الذكرى ، ج 1 ، ص 88 .
( 2 ) . الكافي ، ج 3 ، ص 2 ، ح 4 ؛ التهذيب ، ج 1 ، ص 408 ، ح 1 ؛ الاستبصار ، ج 1 ، ص 33 ، ح 9 ؛ الوسائل ، ج 1 ، ص 160 ، ح 398 .