والعمل بها ، وكانوا يضعونها في مساجد بيوتهم ، فإذا فرغوا من الصلاة نظروا فيها : « بسم اللّه الرحمن الرحيم ، أمّا بعد : فاسألوا اللّه ربّكم العافية ، وعليكم بالدّعة والوقار والسكينة ، وعليكم بالحياء والتنزّه عما تنزّه عنه الصالحون قبلكم ، وعليكم بمجاملة أهل الباطل ، تحمّلوا الضيم منهم ، وإياكم ومماظّتهم ، دينوا فيما بينكم وبينهم - إذا أنتم جالستموهم وخالطتموهم ونازعتموهم الكلام ، فإنّه لا بدّ لكم من مجالستهم ومخالطتهم ومنازعتهم الكلام - بالتقية التي أمركم اللّه أن تأخذوا بها فيما بينكم وبينهم ، فإذا ابتليتم بذلك منهم فإنّهم سيؤذونكم ، وتعرفون في وجوههم المنكر ، ولولا أنّ اللّه تعالى يدفعهم عنكم لسطوا بكم ، وما في صدورهم من العداوة والبغضاء أكثر ممّا يبدون لكم ، مجالسكم ومجالسهم واحدة ، وأرواحكم وأرواحهم مختلفة لا تأتلف ، لا تحبّونهم أبدا ولا يحبّونكم ، غير أنّ اللّه تعالى أكرمكم بالحقّ وبصّركموه ، ولم يجعلهم من أهله ، فتجاملونهم وتصبرون عليهم ، وهم لا مجاملة لهم ولا صبر لهم على شيء من أموركم ، تدفعون أنتم السيئة بالتي هي أحسن فيما بينكم وبينهم ، تلتمسون بذلك وجه ربّكم بطاعته ، وهم لا خير عندهم ، لا يحلّ لكم أن تظهروهم على أصول دين اللّه ، فإنّهم إن سمعوا منكم فيه شيئا عادوكم عليه ، ورفعوه عليكم ، وجاهدوا على هلاككم ، واستقبلوكم بما تكرهون ، ولم يكن لكم النّصف منهم في دول الفجّار .
فاعرفوا منزلتكم فيما بينكم وبين أهل الباطل ، فإنّه لا ينبغي لأهل الحق أن ينزلوا أنفسهم منزلة أهل الباطل ؛ لأنّ اللّه لم يجعل أهل الحقّ عنده بمنزلة أهل الباطل ، ألم تعرفوا وجه قول اللّه تعالى في كتابه إذ يقول :
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
« 1 » .
أكرموا أنفسكم عن أهل الباطل ، فلا تجعلوا اللّه تعالى وله المثل الأعلى وإمامكم ودينكم الذين تدينون به عرضة لأهل الباطل ، فتغضبوا اللّه عليكم فتهلكوا .
فمهلا مهلا يا أهل الصلاح لا تتركوا أمر اللّه وأمر من أمركم بطاعته ، فيغيّر اللّه ما بكم من نعمة ، أحبّوا في اللّه من وصف صفتكم ، وأبغضوا في اللّه من خالفكم ، وأبذلوا مودّتكم ونصيحتكم لمن وصف صفتكم ، ولا تبذلوها لمن رغب عن صفتكم
هامش
( 1 ) . ص ( 38 ) : 28 .