تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
اللّه سبحانه وحده ، وإنّ من قصد ذلك فإنّما قصد جلب النفع إلى نفسه ودفع الضرر عنها لا وجه اللّه سبحانه ، فإنّ هذا قول من لا معرفة له بحقائق التّكاليف ومراتب الناس فيها ، بل ولا معرفة له بمعنى النيّة وحقيقتها ، وإنّها عبارة عن انبعاث النفس وميلها وتوجّهها إلى ما فيه غرضها ومطلبها إمّا عاجلا وإمّا آجلا لا مجرّد قول الناوي عند العبادة : افعل كذا قربة إلى اللّه ، وتصوّر معنى هذا القول بخاطره وملاحظته بقلبه ، وإن لم يكن لنفسه انبعاث إلى التقرّب . هيهات إنّما هذا تحريك لسان وحديث نفس ، وما ذلك إلّا كقول الشّبعان : أشتهي هذا الطعام ، قاصدا حصول الاشتهاء ، وهذا الانبعاث إذا لم يكن حاصلا لها لا يمكن اختراعه واكتسابه بمجرّد القول والتصوّر ، وأكثر الناس يتعذّر منهم العبادة ابتغاء وجه اللّه والتقرّب إليه ؛ لأنّهم لا يعرفون من اللّه سبحانه إلّا المرجوّ والمخوف ، فغايتهم أن يتذكّروا النّار ويحذّروا أنفسهم عقابها ، ويتذكّروا الجنّة ويرغّبوا أنفسهم ثوابها ، وخصوصا من كان الغالب على قلبه الميل إلى الدنيا ، فإنّه قلّما ينبعث له داعية إلى فعل الخيرات لينال بها ثواب الآخرة ، فضلا عن عبادته على نيّة إجلال اللّه عزّ وجلّ لاستحقاقه الطاعة والعبودية ، فإنّه قلّ من يفهمها فضلا عمّن يتعاطاها ، فلو كلّف بها لكان تكليفا بما لا يطاق ، وليس معنى الإخلاص في العبادة إلّا ألا تكون مشوبة بشوائب الدنيا والحظوظ العاجلة للنفس ، كمدح الناس والخلاص من النفقة بعتق العبد ، ونحو ذلك كما يأتي بيانه . وظاهر أنّه لا ينافيه إرادة الجنّة والخلاص من النّار ممّا وعد في الآخرة ، وإن كان من جنس المألوف في الدّنيا ، وهذا واضح بحمد اللّه ، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون .

[ المتن ]

[ 951 ] 3 . الكافي : عن الصادق عليه السّلام : « العبّاد ثلاثة : قوم عبدوا اللّه عزّ وجلّ خوفا فتلك عبادة العبيد ، وقوم عبدوا اللّه تعالى طلب الثواب فتلك عبادة الاجراء ، وقوم عبدوا اللّه عزّ وجلّ حبّا له فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة » « 1 » .

* بيان

هذا الحديث نصّ في صحّة عبادة الطالب للثواب والهارب من العقاب ، فإنّ قوله عليه السّلام : « وهي أفضل العبادة » يعطي أنّ العبادة على الوجهين الأوّلين لا تخلو من فضل أيضا فضلا عن أن تكون صحيحة .
هامش
( 1 ) . الكافي 2 : 84 / 5 .