* بيان
تمام الحديث : « فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوّجها فهجرته إلى ما هاجر إليه » . وإنّما قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ذلك حين قال له بعض الصحابة : إنّ بعض المهاجرين إلى الجهاد ليست نيّته من تلك الهجرة إلّا أخذ الغنائم من الأموال والسبايا ، أو نيل الصّيت عند الاستيلاء ؟
فبيّن صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّ كلّ أحد ينال في عمله ما يبغيه ويصل إلى ما ينويه كائنا ما كان دنيويا أو أخرويا ، وهذا الخبر ممّا يعدّه أصحاب الحديث من المتواترات ، وهو أوّل ما يعلّمونه أولادهم ، ويقولون إنّه نصف العلم .
والمستفاد من هذه الأخبار أنّه لا يحسب من عبادة اللّه ولا يعدّ من طاعته بحيث يصحّ أن يترتّب عليه الأجر في الآخرة ، إلّا ما يراد به التقرّب إلى اللّه تعالى والدار الآخرة ، أعني يقصد به وجه اللّه أو التوصّل إلى ثوابه أو الخلاص من عقابه .
وبالجملة امتثال أمر اللّه تعالى فيما ندب عباده إليه بقوله عزّ وجلّ :
ادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً
« 1 » وقوله :
وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً
« 2 » وبكلّ ما وعد به الجنّة وأوعد ، عليه النار في الآيات التي لا تحصى ، فرغّب ورهّب ووعد وأوعد وإنّما يثيبهم على حسب أقدارهم ومنازلهم ونيّاتهم ، فمن عرف اللّه بجماله وجلاله ولطف فعاله فأحبّه واشتاق إليه وأخلص عبادته له لكونه أهلا للعبادة ولمحبّته له ، أحبّه اللّه وأخلصه واجتباه وقرّبه إلى نفسه وأدناه قربا معنويّا ودنوّا روحانيّا ، كما قال في حقّ بعض من هذه صفته :
وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ
« 3 » قال أمير المؤمنين وسيّد الموحّدين عليه السّلام : « ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنّتك ، لكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك » « 4 » . ومن لم يعرف من اللّه سوى كونه إلها صانعا للعالم قادرا قاهرا عالما ، وإنّ له جنّة ينعّم بها المطيعين ، ونارا يعذّب بها العاصين ، فعبده ليفوز بجنّته ، أو يكون له النجاة من ناره ، أدخله اللّه بعبادته وطاعته الجنّة ، وأنجاه من النار لا محالة ، كما أخبر عنه في غير موضع من كتابه ، فإنّما لكلّ امرئ ما نوى ، فلا تصغ إلى قول من ذهب إلى بطلان العبادة إذا قصد بفعلها تحصيل الثواب أو الخلاص من العقاب ، زعما منه أنّ هذا القصد مناف للإخلاص الذي هو إرادة وجه
هامش
( 1 ) . الأعراف ( 7 ) : 56 .
( 2 ) . الأنبياء ( 21 ) : 90 .
( 3 ) . سورة ص ( 38 ) : 40 .
( 4 ) . عوالي اللئالي 1 : 404 / المسلك الثالث .