لم يخل الحال من أحد أمرين : إمّا أن يكون ذا عشيرة وقوّة تحميه وتمنعه عن الافتتان والدخول في دينهم . أو يكون مستضعفا لا يؤمن عليه الفتنة في الدين أو النفس .
فالأوّل يجوز ردّه إليهم ولا يمنعهم منه ؛ عملا بالشرط ، وعدم الضرر عليه متحقّق ؛ إذ التقدير ذلك - لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ردّ أبا جندل بن سهيل « 1 » وأبا بصير « 2 » ، في صلح الحديبيّة « 3 » - بمعنى أنّه لا يمنعهم من أخذه إذا جاءوا في
هامش
( 1 ) أبو جندل بن سهيل بن عمرو العامريّ ، قيل : اسمه عبد اللّه وكان من السابقين إلى الإسلام وممّن عذّب بسبب إسلامه ، أسلم بمكّة فسجنه أبوه وقيّده ،
وفي البخاريّ : وجاء أبو جندل بن سهيل يرسف في قيوده وقد خرج من أسفل مكّة حتّى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين ، فقال سهيل : يا محمّد هذا أوّل ما أقاضيك عليه أن تردّه إليّ ، فقال أبو جندل : يا معشر المسلمين : أردّ إلى المشركين وقد جئت مسلما ، ألا ترون إلى ما لقيت ! وكان قد عذّب عذابا شديدا ثمّ هرب ولحق بأبي بصير فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلّا لحق بأبي بصير حتّى اجتمعت منهم عصابة لا يدعون لقريش شيئا إلّا أخذوه حتّى بعثوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يسألونه أن يضمّهم إليه .
صحيح البخاريّ 3 : 256 - 258 ، أسد الغابة 5 : 160 ، الإصابة 4 : 34 ، الاستيعاب بهامش الإصابة 4 : 33 .
( 2 ) أبو بصير : قال ابن عبد البرّ : اختلف في اسمه ونسبه ، فقيل : عبيد بن أسيد بن جارية ، وقيل : عتبة بن أسيد بن جارية ، وقال ابن حجر : من زعم أنّه عبيد فقد صحّف ، وهو الّذي جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وهو مسلم بعد صلح الحديبيّة ، فأرسلت قريش في طلبه رجلين ، فقالا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : العهد الذي جعلت لنا أن تردّ إلينا كلّ من جاءك مسلما ، فدفعه النبيّ صلّى اللّه عليه وآله إلى الرجلين ، فخرج أبو بصير وخرجا حتّى إذا كانوا بذي الحليفة فقتل أبو بصير أحدهما ودخل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وقال : وفت ذمّتك وقد امتنعت بنفسي ،
فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله :
« ويلمّه مسعر حرب لو كان معه رجال »
فلمّا سمع ذلك علم أنّه سيردّه إليهم ، فخرج حتّى أتى سيف البحر ولحق به أبو جندل بن سهيل بن عمرو فانضمّ إليه جماعة كانوا يؤذون قريشا في تجارتهم فأرسلت قريش إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله تناشده اللّه والرحم إلّا أرسل إليهم ، فمن أتاك منهم فهو آمن ، وكتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إلى أبي جندل وأبي بصير ليقدما عليه ومن معهما من المسلمين أن يلحقوا ببلادهم وأهليهم . الاستيعاب بهامش الإصابة 4 : 20 ، أسد الغابة 5 : 149 ، الإصابة 2 : 452 .
( 3 ) صحيح البخاريّ 3 : 256 - 258 ، المستدرك للحاكم 3 : 277 ، سنن البيهقيّ 9 : 227 ، أسد الغابة 5 : 149 - 150 ، الإصابة 4 : 34 ، المغني 10 : 517 ، الشرح الكبير بهامش المغني 10 : 572 .