تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النفحة المسكية في الرحلة المكية — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
الذي ألبسته الهيبة والجلالة ، ( 36 ب ) ومنطقته السؤود والعدالة ، وقصمت بسطوته ظهور القساة المتمردين ، وأحييت برأفته العفاة المقلين ، ونشرت بأوامره أعلام العدل والأمان ، وطويت بزواجره كل بغي وعدوان ، آمين . فالمعروض على السدة التي سمت على السماكين « 1 » قدرا ونمت على النيرين رفعة وفخرا ، لا زالت لجباه الأمراء الأفاخم مساجد ، ولا برحت مقبلة بشفاه الأعاظم الأماجد .
بقيت بقاء الدهر يأكهف أهله * وهذا دعاء للبرية شامل
هو أنه من الأمور المقررة ، والأحكام المحررة ، مما هو معلوم لديكم ، وغير خفي عليكم ، أن النطف أجابت من كل فج سيدنا إبراهيم حين أذن بالحج ، فصممت نفس هذا الداعي على أن تتبع القول بالعمل ، وتجمع بين جوابي الأرواح والأشباح ، ليطابق الحال في الأزل ، فنزعت نزوع الطفل بعد فطامه إلى الرضاع ، إلى أن تعفر محياها مهابط الوحي من تيك البقاع ، لترمي من أشواقها جمرات ، وترضع من ثدي زمزم رضعات ، وتقف على عرفات الغفران ، وتسعى بحط الأوزار ( 37 أ ) باستلام الأركان ، وتطوف حول حمى الملك الغفار ، قائلة : هذا مقام العائذ بك من النار ، ولما تيقنت أن العمر قد ذهب أطيبه ، وغبر أعذبه ، وأن الجسم قد وهى ورقّ ، والعظم قد وهن ودق ، والبدن كشن « 2 » بالية وعما يصلحها عارية خالية ، وتذكرت حديثا سمعته من الثقات الجهابذة الأثبات ، أنه صلى الله عليه وسلم قال ، أو كما قال : ( اغتنم خمسا قبل خمس ، شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وفراغك قبل شغلك ) الحديث سارعت بالاستئذان مستدرة عوائد الإحسان :
وفي النفس حاجات وفيك فطانة * سكوتي بيان عندها وخطاب
ولله عليّ إذا شاهدت تلك المشاهد ، وتعهدت هاتيك المعاهد ، أن تكون هجيراي المستمرة ، وشنشنتي الدائمة المستقرة ، خير الدعاء لكم في تلك الأماكن الشريفة ، والبقاع السامية المنيفة ، فلا زلت مغمورا بالنعم ، مدفوعا عنك النقم ، آمين .
هامش
( 1 ) السماكان : كوكبان نيران يقال لأحدهما السماك الرامح والآخر السماك الأعزل ، يضرب بهما المثل بالعلو . ( 2 ) الشن : القربة الخلقة اليابسة ( أي : مثل شنّ ) .