تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النفحة المسكية في الرحلة المكية — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
تقاذفت به الفلوات وترامت به الأقطار ، هو أشعث أغبر لعدم استقراره في الحضر ، وأنه من تراكم المشاق ضعف جسمه ، ودق عظمه ، وصغر هيكله بحيث صار لا يحجب الشمس إلا قليلا ، المستلزم ذلك قلة ظله إذ كثرة الظل وقلته باعتبار كثرة الحاجب وقلته ، فيكون ظله على ظهر المطية قليلا في كل وقت وحال سوى وقت وحال تنحية الرداء عنه للشمس ، أي وقت لبسه الرداء ، فيكثر الظل حينئذ لكثرة الحاجب ، ولا يخفى أن هذا المعنى من المعاني التي تخبر عنها الشعراء من المقدمات الشعرية والقضايا « 142 أ » الخطابية ، فيبرزون الموهوم بصورة المحسوس تخيلات تقبلها النفوس ، وتارة يحكمون بخفاء المحسوس المعلوم ويعدونه أقسام الموهوم ، فمن ذلك مما يناسب ما نحن فيه قول سيدي شرف الدين عمر بن الفارض :
خفيت ضني حتى لقد ضلّ عائدي * وكيف ترى العواد من لا له ظل « 1 »
وقوله : « 2 »
قد تركت الصّب فيكم شبحا * ماله مما يراه الشوق فيّ
وقول المتنبي : « 3 »
كفى بجسمي نحولا أنني رجل * لولا مخاطبتي إياك لم ترني
وقوله : « 4 »
ولو قلم ألقيت في شق رأسه * من السقم ما غيّرت من خطّ كاتب
وقولي من أبيات مقامتي التي سماها سيدنا الحسيب النسيب السيد مصطفى البكري الصديقي - حفظه الله تعالى - بالجامعة للأمثال العزيزة « 5 » الأمثال : صار يحكي شبحا ما له ظل ، وفي غاب عن عواده مذ غدا ليس بشيء ، أن يكون ما في البيت معرفة ناقصة أو نكرة
هامش
( 1 ) الديوان ص 137 ( 2 ) الديوان ص 7 . ( 3 ) الديوان ص 3 . بشرح ناصيف اليازجي ، بيروت 1887 م . ( 4 ) الديوان ص 69 . ( 5 ) في ب ( الغزيرة ) .