تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
المطوّل ، هو الآخر في ديوان الرسالة والأوّل ، وله في الفضيلة ، وقبول الوسيلة ، النصّ الذي لا يؤوّل ، نوره صدع الظّلم « 1 » ، وظهوره رفع لدين اللّه تعالى العلم ، بدأه الوحي وهو بحراء ، وأسرّ إليه سرّ تقدم الإسراء ، حتى إذا نصب له المعراج ، وتوقد في منارة السماء ذاك السراج ، ناجى الحبيب حبيبه ، وجلا عن وجه الجلاء جلابيبه ، فتلقّى ما تلقّى ، لما علا وترقّى ، ثم صدر « 2 » عن حضرة القدس ، وجبين هدايته يبهر سنا الشمس ، فشقّ لمعجزاته القمر ، ونهى بأمر ربّه وأمر ، وأزال الجهالة ، وأزاح الضلالة ، وكسر منصوب الأوثان ، ونصر من قال واحد أحد على من قال ثالث ثلاثة أو ثان ، وبنى الملّة على قواعدها الخمس « 3 » ، وأحيا دين إبراهيم وكان رفاتا بالرمس ، فرفلت الحنيفية البيضاء في بردة الجدّة ، وبيضت بضياء « 4 » غرّتها أوجه الأيام المسودّة ، وانتشرت الرحمة بنبيّها ، ومطرت المرحمة من سحب حيّها ، وافتنت الآيات الباقيات البينات في مساقها واتّساقها ، وإشراقها في آفاقها وائتلافها . وشهد الحجر والشجر ، والماء من بين البنان يتفجّر ، والظبية والضب ، والجذع المشتاق الصّبّ « 5 » ، والشاة والبعير ، والليث إذا هدأ أو سمع منه الزئير ، والحي والجماد ، والقصعة والزاد ، بأنّ محمدا رسول الملك الحقّ ، والمبلغ عنه بواسطة الملك إلى الخلق ، وصاحب اللواء المعقود ، والمقام المحمود ، والحوض المورود ، والقول المسموع ، والذكر المرفوع ، والصدر المشروح ، والفخر الباهر الوضوح ، والأنوار المتناقلة ، والآثار المتداولة ، والنبوّة التي عهدها تقادم ، من قبل خلق آدم ، والمزية المعروف قدرها الجليل ، المقبول فيها ما دعا به الخليل ، والرتبة التي استشرف إليها الكليم ، حتى قال له
وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ
[ سورة الأعراف ، الآية : 144 ] ربّه الكريم ، والبشارة التي كان بها يصبح حين يسيح ، روح اللّه تعالى وكلمته عيسى المسيح ، والشفاعة التي يرجوها الرسل والأمم ، ويقرع بها الباب المرتج المبهم ، فما لنبيّنا المختار ، من علوّ المقدار ، واصطفاء الجبّار ، والاختصاص بالأثرة ، والاستخلاص للحضرة ، ذلك الفضل من اللّه وكفى بالله عليما . وحسب هذا الوجود من الفضل الرباني والجود الذي لم يزل عظيما ، أن بعث اللّه تعالى فيه رسولا رؤوفا بالمؤمنين رحيما ، عزيزا على ربّه الكريم كريما ، بسرّه سجدت الملائكة لآدم تعظيما ، وبذكره ينظم سلك المادح لحضرته العليّة تنظيما ، صلّى اللّه عليه وعلى آله الطيبين
هامش
( 1 ) صدع : شق . والظلم : جمع ظلمة . ( 2 ) صدر : رجع . ( 3 ) يشير إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « بني الإسلام على خمس - الحديث » . ( 4 ) في ب : « بيضاء غرتها » . ( 5 ) الصب : المشتاق .