عرضت نفسها عليّ مرارا ، فأعرضت عنها ازورارا ، ودفعتها عني بكلّ وجه ، تارة بلطف وأخرى بنجه « 1 » ، وخفت منها السآمة ، وقلت : انكحي أسامة ، فرضيت مني بأبي جهل « 2 » وسوء ملكته ، وابن أبي سفيان وصعلكته ، وكانت أسرع من أمّ خارجة للخطبة ، وأسمح من سجاح « 3 » في استنجاح تلك الخطبة . ولقد كنت أخاف من انتقال الطباع في عشرتها ، واستثقال الاجتماع من عترتها « 4 » ، وأرى من الغبن والسفاه ، أخذها وترك بنات الأفواه والشفاه ، إذ هي أيسر مؤونة ، وأكبر « 5 » معونة ، فغلطني فيها أن كانت بمنزل تتوارى صونا عن الشمس ، ومن نسوة خفرات لا ينطقن إلّا بالهمس ، ووجدتها أطوع من البنان للكفّ ، والعنان للكفّ ، والمعنى للاسم ، والمغنى للرسم ، والظلّ للشخص ، والمستدلّ للنصّ . فما عرفت منها إلّا خيرا أرضاه ، وحسبتها من الحافظات للغيب بما حفظ اللّه ، فعجبت لها الآن كيف زلّت نعلها ، ونشزت فنشرت ما استكتمها بعلها ، واضطربت في رأيها اضطراب المختار بن أبي عبيد ، وضربت في الأرض تسعى عليّ بكلّ مكر وكيد ، وزعمت أنّ الجيم خدعها ، وألان أخدعها ، وأكبرها أن سيبلّغ بخبرها الخابور ، وأحضرها لصاحبها كما أحضر بين يدي قيصر سابور . فقد جاءت إفكا وزورا ، وكثرت من أمرها منزورا ، وكانت كالقوس أرنّت وقد أصمت القنيص ، والمراودة قالت
ما جَزاءُ
وهي التي قدّت القميص ، وربما يظنّ بها الصدق وظنّ الغيب ترجيم ، ويقال : لقد خفضت الحاء بالمجاورة « 6 » لهذا الجيم ، وتنتصر لها التي خيمت بين النرجسة والريحانة ، وختمت السورة باسم جعلت ثانيه أكرم نبي على اللّه سبحانه ، فإن امتعضت لهذه التكلمة ، تلك التي سبقت بكلمتها بشارة الكلمة ، فأنا ألوذ « 7 » بعدلها ، وأعوذ بفضلها ، وأسألها أن تقضي قضاء مثلها ، وتعمل بمقتضى
فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها
[ سورة النساء ، الآية : 35 ] على أن هذه التي قد أبدت مينها « 8 » ، ونسيت الفضل بيني وبينها ، إن قال الحكمان : منها كان النشوز ، عادت حرورية العجوز ، وقالت : التحكيم في دين اللّه تعالى لا
هامش
( 1 ) نجهه ينجهه نجها : رده أقبح الرد ، واستقبله بما يكره .
( 2 ) في ب : « بأبي جهم » .
( 3 ) سجاح : تنبأت حين تنبأ مسيلمة الكذاب وتزوجته في قصة مشهورة في كتب التاريخ .
( 4 ) عترتها : عشيرتها .
( 5 ) في ب : « وأكثر » .
( 6 ) في ب : « بالجوار » .
( 7 ) ألوذ : ألجأ .
( 8 ) مينها : كذبها .