تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
بدائع ، ونظم في المواعظ للمذكرين كثيرا ؛ انتهى مختصرا ، وإلّا فترجمته في الإحاطة متّسعة ، رحمه اللّه تعالى ! . ولمّا كتب له أبو المطرف بن عميرة برسالته الشهيرة التي أوّلها « تحييك الأقلام تحيّة كسرى ، وتقف دون مداك حسرى » ، وهي طويلة ، أجابه بما نصّه : « ما هذه التحيّة الكسرويّة ؟ وما هذا الرأي وهذه الرويّة ؟ أتنكيت من الأقلام ؟ أو تبكيت من الأعلام ؟ أو كلا الأمرين توجّه القصد إليه ، وهو الحقّ مصدّقا لما بين يديه ؟ وإلّا فعهدي بالقلم يتسامى عن عكسه ، ويترامى للغاية البعيدة بنفسه ، فمتى لانت أنابيبه للعاجم ، ودانت أعاريبه للأعاجم ؟ وا عجبا لقد استنوق الجمل « 1 » ، واختلف القول والعمل ، لأمر ما جدع أنفه قصير « 2 » ، وارتدّ على عقبه الأعمى أبو بصير ، أمس أستسقي من سحابه فلا يسقيني ، وأستشفي بأسمائه فلا يشفيني ، واليوم يحلّني محلّ أنو شروان ، ويشكو مني شكوى الزيدية من بني مروان « 3 » ، ويزعم أني أبطلت سحره ببئر ذروان « 4 » ، ويخفي في نفسه ما اللّه مبديه ، ويستجدي بالأثر ما عند مستجديه ، فمن أين جاءت هذه الطريقة المتّبعة ، والشريعة المبتدعة ؟ أيظنّ أن معمّاه لا ينفكّ ، وأنه لا ينجلي هذا الشكّ ؟ هل ذلك منه إلّا إمحاض التّيه ، وإحماض نفتّيه ، ونشوة من الهزل « 5 » ، ونخوة من ذي ولاية آمن من العزل ؟ تاللّه لولا محلّه من القسم ، وفضله في تعليم النّسم ، لأسلمته « 6 » ما ينقطع به صلفه ، وأودعته ما ينصدع به صدفه ، وأشرت بطرف المشرفي ومجده ، وأشرت إلى تعاليه عن اللعب بجدّه . ولكن هو القلم الأوّل ، فقوله على أحسن الوجوه يتأوّل ، ومعدود في تهذيبه ، كلّ ما لسانه يهذي به ، وما أنساني إلّا الشيطان أياديه أن أذكرها ، وإنما أقول : [ البسيط ]
ليت التحيّة كانت لي فأشكرها
ولا عتب إلّا على الحاء ، المبرّحة بالبرحاء ، فهي التي أقامت قيامتي في الأندية ، وقامت عليّ قيام المتعدية ، يتظلّم وهو عين الظالم ، ويلين القول وتحته سمّ الأراقم « 7 » ولعمر اليراعة وما رضعت ، والبراعة وما صنعت ، ما خامرني هواها ، ولا كلفت بها دون سواها ، ولقد
هامش
( 1 ) استنوق الجمل : كانت له بعض صفات الناقة ، والمراد تغيرت الطباع ، وهو مثل . ( 2 ) مثل قيل في قصة احتيال قصير على الزباء ملكة تدمر ، حتى أخذ منها بالثأر . ( 3 ) الزيدية : أتباع زيد بن علي . وبنو مروان : الأمويون . ( 4 ) بئر ذروان : بئر بالمدينة . ( 5 ) في ب : « من خمر الهزل » . ( 6 ) في ب : « لأسمعته » . ( 7 ) الأراقم : جمع أرقم ، وهو الثعبان .