وقصورهم ، أم أين بنو الأحمر وغرناطتهم ، وإزالتهم عن حوزة الدين أدناس المعتدين وإماطتهم ، وجعلهم الأمور لمثل ابن الحكيم ولسان الدين وإناطتهم ، أم أين بنو مرين وفارسهم ، ومغانيهم ومدارسهم ، وأين بنو زيّان ومنازلهم الشاهقة ، وأشجار عزّهم الباسقة ، وأين الحفصيون ، ومستنصرهم الذي قضى للمعالي الديون ، وأبو فارس ، الذي شنّفت بأخباره آذان الطروس والفهارس ؟ طحنت واللّه تعالى الجميع رحى المنون ، وتأيمت الأزواج « 1 » ويتّم البنون ، وطالت الأيام والسنون ؛ وبقيت القصور العالية ، خالية ، والرسوم المتكاثرة ، دائرة ، والسلوك المنظومة متناثرة ، وعن قريب يقف الكلّ بين يدي ربّ الأرباب ، في يوم تذهل فيه الألباب ، وتنقطع إلّا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الأسباب ، ويقتصّ للمظلوم من الظالم ، وتنبهم للنجاة الطرق والمعالم ، وتبلى السرائر لدى من هو بها عالم ،
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
[ سورة آل عمران ، الآية : 30 ] يوم يحكم اللّه تعالى في الخلق ، بالحقّ ، حسبما سبق في علمه إذ جعلهم قريبا وبعيدا ، وشقيّا وسعيدا ، اللهمّ اجعلنا في ذلك اليوم الصعب ممّن فاز بالنجاة ، وحاز شفاعة نبيّك ومصطفاك ذي الحرمة والجاه ، صلّى اللّه عليه وسلم وشرّف وكرّم ؛ انتهى .
[ من كلام لسان الدين يخاطب السلطان أبا زيان ]
رجع لنثر لسان الدين بن الخطيب رحمه اللّه تعالى :
ومن كلام لسان الدين رحمه اللّه تعالى ما خاطب به سلطان المغرب أبا زيّان لمّا تمّ له الأمر ، وهو مشتمل على نظم ونثر ، ونصّه : [ الكامل ]
يا ابن الخلائف ، يا سميّ محمد * يا من علاه ليس يحصر حاصر
أبشر فأنت مجدّد الملك الذي * لولاك أصبح وهو رسم داثر « 2 »
من ذا يعاند منك وارثه الذي * بسعوده فلك المشيئة دائر
ألقت إليك يد الخلافة أمرها * إذ كنت ، أنت لها الوليّ الناصر
هذا وبينك للصريخ وبينها * حرب مضرّسة وبحر زاخر
من كان هذا الصنع أول أمره * حسنت له العقبى وعزّ الآخر
مولاي عندي في علاك محبّة * واللّه يعلم ما تكنّ ضمائر « 3 »
قلبي يحدّثني بأنك جابر * كسري ، وحظّي منك حظّ وافر
هامش
( 1 ) تأيمت الأزواج : ترملت بفقد أزواجها .
( 2 ) الرسم : آثار الديار المندثرة ، داثر : دارس .
( 3 ) تكنّ : تخفي وتستر .