له شبها بالإمام المهدي ، وأتباعه كثيرون بكلّ بلد ، فوقع في قلبه ، وأهمّه شأنه ، فبعث إليه في القدوم عليه ليختبره ، وكتب لصاحب بجاية بالوصيّة به والاعتناء ، وأن يحمل خير محمل ، فلمّا أخذ في السفر شقّ على أصحابه ، وتغيّروا ، وتكلّموا ، فسكتهم وقال لهم : إن منيّتي « 1 » قربت ، ولغير « 2 » هذا المكان قدرت ، ولا بدّ لي منه ، وأنا شيخ كبير ضعيف ، لا قدرة لي على الحركة ، فبعث اللّه تعالى من يحملني إليه برفق ، ويسوقني إليه أحسن سوق ، وأنا لا أرى السلطان ولا يراني ، فطابت نفوسهم ، وذهب بؤسهم ، وعلموا أنه من كراماته ، فارتحلوا به على أحسن حال ، حتى وطئوا به حوز تلمسان « 3 » ، فبدت له رابطة العباد ، فقال لأصحابه : ما أصلحه للرقاد ، فمرض مرض موته ، فلمّا وصل وادي يسر اشتدّ به المرض ، ونزلوا به هناك ، فكان آخر كلامه : اللّه الحقّ .
وتوفي رحمه اللّه تعالى سنة أربع وتسعين وخمسمائة ، فحمل إلى العباد ، مدفن الأولياء الأوتاد ، وسمع أهل تلمسان بجنازته ، فكانت من المشاهد العظيمة ، والمحافل الكريمة ، وفي ذلك اليوم تاب الشيخ أبو علي عمر الحباك ، وعاقب اللّه تعالى السلطان ، فمات بعده بسنة أو أقل .
ونقل المعتنون بأخباره أنّ الدعاء عند قبره مستجاب ، وجرّ به جماعة ، وقد زرته مئين من المرّات ، ودعوت اللّه تعالى عنده بما أرجو قبوله .
وقد أطال في ترجمته التادلي في كتابه « التشوّف ، لرجال التصوّف » وقد أفردها ابن الخطيب القسمطيني بتأليف سمّاه « أنس الفقير » .
ومن كلامه : من رزق حلاوة المناجاة زال عنه النوم ، ومن اشتغل بطلب الدنيا ابتلي فيها بالذلّ ، ومن لم يجد من قلبه زاجرا فهو خراب .
وقوله : بفساد العامّة تظهر ولاة الجور ، وبفساد الخاصّة تظهر دجاجلة الدين المفتاتون « 4 » .
وقوله : من عرف نفسه لم يغترّ بثناء الناس عليه ، ومن خدم الصالحين ارتفع ، ومن حرمه اللّه تعالى احترامهم ابتلاه اللّه بالمقت من خلقه ، وانكسار العاصي خير من صولة « 5 » المطيع .
وقوله : من علامة الإخلاص أن يغيب عنك الخلق في مشاهدة الحقّ .
هامش
( 1 ) المنية : الموت . وهي من « منى اللّه الشيء يمنيه » إذا قدره وهيأ أسبابه .
( 2 ) في ب « وبغير » .
( 3 ) الحوز : الناحية .
( 4 ) في ب « الفتانون » .
( 5 ) الصولة : السطوة والقدرة والقهر .