وسئل عن المحو « 1 » والشيخ ، فقال : المحو من شهدت له ذاتك بالتقديم ، وسرك بالاحترام والتعظيم ، والشيخ من هداك بأخلاقه ، وأيّدك بإطراقه ، وأنار باطنك بإشراقه ، إلى غير ذلك من كلامه النّيّر ، وهو بحر لا ساحل له .
وله نظم كثير مشهور بأيدي الناس ، وممّا ينسب له قوله : [ الكامل ]
بكت السحاب فأضحكت لبكائها * زهر الرياض وفاضت الأنهار
وقد أقبلت شمس النهار بحلّة * خضرا ، وفي أسرارها أسرار
وأتى الربيع بخيله وجنوده * فتمتّعت في حسنه الأبصار
والورد نادى بالورود إلى الجنى * فتسابق الأطيار والأشجار « 2 »
والكأس ترقص والعقار تشعشعت * والجوّ يضحك والحبيب يزار « 3 »
والعود للغيد الحسان مجاوب * والطار أخفى صوته المزمار « 4 »
لا تحسبوا الزمر الحرام مرادنا * مزمارنا التسبيح والأذكار
وشرابنا من لطفه ، وغناؤنا * نعم الحبيب الواحد القهّار
والعود عادات الجميل ، وكأسنا * كأس الكياسة ، والعقار وقار
فتألّفوا وتطيّبوا واستغنموا * قبل الممات فدهركم غدّار
واللّه أرحم بالفقير إذا أتى * من والديه فإنه غفّار
ثم الصلاة على الشفيع المصطفى * ما رنّمت بلغاتها الأطيار
وإنما ذكرت ترجمة سيدي الشيخ أبي مدين للتبرّك به ، ولكونه شيخ جدّي ، فأنا في بركته لقول جدّي : إنه دعا له ولذرّيّته بما ظهر قبوله ، ولأنّا ذكرنا في هذا التأليف كثيرا من أنباء أبناء الدنيا ، فأردنا كفّارة ذلك بذكر الصالحين ، واللّه الموفّق بمنّه وكرمه ، آمين .
انتهى الجزء الثامن من كتاب نفح الطيب ويليه الجزء التاسع مبتدئا بالباب السابع من القسم الثاني من الكتاب
هامش
( 1 ) المحو : من اصطلاح الصوفيين ، وفسره الشيخ يحيى الدين بن عربي بأنه ( رفع أوصاف العادة ) وقال : إزالة العلة . . . الخ .
( 2 ) الورود : مصدر ورد يرد وأصل معناه : إتيان الماء للسقيا .
( 3 ) العقار ، بالضم : الخمر . سميت بذلك لأنها تعقر عقل شاربها . وتشعشعت : فرجت .
( 4 ) الغيد : جمع غيداء ، وهي الناعمة .