فهو شديد الاشمئزاز من قاصده ، مجرمز « 1 » للوثبة من طارقه ، نفع اللّه تعالى به !
وقال ابن الخطيب القسطميني الشهير بابن قنفذ : لقيته بسلا سنة 763 ، وهو على أتمّ حال في الورع ، والفرار من الأمراء ، والتمسّك بالسنّة ، وهو الشيخ الفقيه الولي ، توفي في سنة خمس وستين وسبعمائة ؛ انتهى .
وممّن انتفع به ونال بركته الوليّ العارف بالله سيدي أبو عبد اللّه بن عبّاد شارح الحكم ، وقد ترجمناه في هذا الكتاب .
وقال ابن عباد المذكور في رسائله : وقد كنت قدما خرجت في يوم مولده صلّى اللّه عليه وسلم صائما إلى ساحل البحر ، فوجدت هناك سيدي الحاج ابن عاشر رحمه اللّه تعالى وجماعة من أصحابه معهم طعام يأكلونه ، فأرادوا مني الأكل ، فقلت : إني صائم ، فنظر إليّ سيدي الحاج نظرة منكرة ، وقال لي : هذا يوم فرح وسرور يستقبح في مثله الصوم كالعيد ، فتأمّلت قوله فوجدته حقّا ، وكأنه أيقظني من النوم ؛ انتهى .
وقال ابن قنفذ السابق في رحلته ما صورته : وكان ابن عاشر رحمه اللّه تعالى فريدا في الورع ، ميسرا عليه في ذاك أتمّ تيسير ، محفوظا من كلّ ما فيه شبهة ، كثير النفور من الناس ، وخصوصا أصحاب الولاية في الأعمال ، وخرجت على يده تلامذة نجباء أخيار ، وطريقه أنه جعل « إحياء علوم الدين » « 2 » بين عينيه ، واتبع ما فيه بجدّ واجتهاد ، وصدق وانقياد ، وكان الحجّة في ذلك الطريق ، وأول اجتماعي به نفر مني ، فحبسته بيدي وهززته ، فتبسّم ووقف معي ، وسألني عن نسبي ، ودعا لي ، وطلبته بما يطمعني ، فاعتذر لي بالإقلال ، ثم قال :
أمهل ، فدخل وأخرج لي حبّات تين يابسة في يده اليمنى ، وغطّاها باليد اليسرى ، ودفعها إليّ ، وضحك معي ، وعجب الحاضرون من ليانته وانشراحه معي ؛ لأنه لا ينبسط إلى أحد ، وحصل لي بذلك فخر لا يدري قدره إلّا من حاول بعضه معه ، وقصدني كثير من الخواص فسألني عن مجلسي معه وما وقع من جوابه وسؤاله ، وقد حاول ملك المغرب لما ارتحل إليه في عام سبعة وخمسين وسبعمائة على لقائه فلم يقدر عليه بوجه ، وحجبه اللّه تعالى حتى تبعه يوم جمعة من الجامع الأعظم على قدمه ، والناس ينظرونه ، وهو لم يره ، فرجع ، ولم يكن قوته إلّا من نسخ
هامش
( 1 ) جرمز واجرمز الرجل : انقبض واجتمع بعضه إلى بعض فهو مجرمز ، وذلك كناية عن أنه متحفز للانطلاق في أمره .
( 2 ) إحياء علوم الدين : كتاب شهير لحجة الإسلام الفيلسوف المتصوف أبي حامد محمد الغزالي المتوفى سنة 505 ه .