وقال رحمه اللّه تعالى من قصيدته العينية السلوية التي وجهها إلى سلا أيام خلّف بها أهله وولده : [ الرمل ]
بوليّ اللّه فابدأ وابتدر * واحد الآحاد في باب الورع
[ ترجمة العارف بالله أحمد بن عمر بن محمد بن عاشر ، الأندلسي ، نزيل سلا ]
قلت : هذا الولي هو العارف بالله تعالى سيدي الحاج أحمد بن عاشر أحد الصلحاء أصحاب الكرامات المشهورة بالمغرب ، وقد زرت قبره بسلا عام تسعة وألف ، وهو أحمد بن عمر بن محمد بن عاشر ، الأندلسي ، نزيل سلا ، الولي الزاهد المشهور بالمناقب والأحوال .
قال ابن عرفة : ما أدركت مبرّزا « 1 » في زماننا هذا إلّا الشيخ أبا الحسن المنتصر وأحمد بن عاشر بسلا ؛ انتهى .
وقال بلديّنا أبو عبد اللّه بن صعد التلمساني في كتابه « النجم الثاقب ، فيما لأولياء اللّه تعالى من المناقب » : كان أحد الأولياء الأبدال ، معدودا في كبار العلماء ، مشهورا بإجابة الدعاء ، معروفا بالكرامات ، مقدّما في صدور « 2 » الزهاد ، منقطعا عن الدنيا وأهلها ، ولو كانوا من صالحي العباد ، ملازما للقبور في الخلاء المتّصل ببحر مدينة سلا ، منفردا عن الخلق ، لا يفكر في أمر الرزق ، وله أخبار جليلة ، وكرامات عجيبة مشهورة ، ممّن جمع له العلم والعمل ، وألقي عليه القبول من الخلق ، شديد الهيبة ، عظيم الوقار ، كثير الخشية ، طويل التفكّر والاعتبار ، قصده أمير المؤمنين أبو عنان ، وارتحل إليه عام سبعة وخمسين وسبعمائة ، فوقف ببابه طويلا ، فلم يأذن له ، وانصرف وقد امتلأ قلبه من حبّه وإجلاله ، ثم عاود الوقوف ببابه مرارا ، فما وصل إليه ، فبعث له بعض أولاده بكتاب كتبه إليه يستعطفه لزيارته ورؤيته ، فأجابه بما قطع رجاءه منه ، وأيس من لقائه ، واشتدّ حزنه ، وقال : هذا ولي من أولياء اللّه تعالى حجبه اللّه عنّا ؛ انتهى .
ولمّا أجرى ذكره لسان الدين في « نفاضة الجراب » قال ما ملخّصه : ولقيت من أولياء اللّه تعالى بسلا الولي الزاهد الكبير المنقطع القرين ، فرارا عن زهرة الدنيا ، وعزوفا عنها ، وإغفاء في الورع ، وشهرة بالكشف ، وإجابة الدعوة وظهور الكرامة ، أبا العباس بن عاشر ، يسّر اللّه تعالى لقاءه على تعذّره لصعوبة تأتّيه ، وكثف هيبته ، قاعدا بين القبور في الخلاء ، رثّ الهيئة ، مطرق اللحظ ، كثير الصمت ، مفرط الانقباض والعزلة ، قد ضرسه « 3 » أهل الدنيا وتطارحهم ،
هامش
( 1 ) برز الرجل : أي فاق أصحابه فضلا أو شجاعة .
( 2 ) الصدور : جمع صدر وأراد به الرئيس ، حيث يكون في صدر المجلس .
( 3 ) في ب « قد فر من أهل الدنيا » . وضرسه : جربه وعرفه مناقبه ، ورجل مضرس : أي مجرب ، ومنه قول زهير بن أبي سلمى :ومن لم يصانع في أمور كثيرة * يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم