وقد وصل كتابه العزيز الوفادة والوصول ، الكريم الجمل والفصول ، مطلع وجه السرور والجذل « 1 » ، ومهدي قصيّ الأمل « 2 » ، ومجدّد العهد بحديثه الذي في ضمنه شفاء الغلل ، وبرء العلل ، مهديا تحفة عافيته وهي الهدية التي جلّت عن المكافاة ، وترفّعت عن المجازاة ، إنما يجازي عليها من يصل بفضله عادتها ، ويوالي بعد الإبداء إعادتها ، ووصفتم يا ولدي ما عرفتم من نعم اللّه تعالى التي انثالت عليكم سحابها ، وعنايته التي يلقى ركابكم تسهالها وترحابها ، واستبشار الجهات بقدومكم الميمون « 3 » ، واجتلاء وجهكم الذي فيه للإسلام قرّة العيون ، وكيف لا يكون ذلك وأنتم ذخرهم العزيز ، وحرزهم الحريز « 4 » ، والندرة التي خلصها من معادن سلفكم الذهب الإبريز ، في أيامكم والحمد للّه نامت أجفانهم ، وتكيف أمانهم ، نسأل اللّه تعالى أن يديم لنا ولهم نعمة بقائكم ، ويعلي الدين بعلوّكم في معارج العزّ وارتقائكم ، فقابلنا ما قرّره سلطانكم بالحمد والثناء ، والشكر المتّصل على الآناء ، ومحضتكم من خالص الدعاء ، ما يتكفّل لكم بالحسنى وما وعد اللّه تعالى من نيل الرجاء ، وتمهيد الأرجاء ، وأصدرت هذا الجواب لكم مصدر الهناء ، بنعم اللّه تعالى المغدقة والآلاء ، ونسأل من فضلكم وبرّكم صلة التعريف بمثل هذه الأخبار السارّة والأنباء ، وإتحافنا بمثلها مع الصباح والمساء ، وإن كان مجدكم غنيّا عن الشبه لمثل هذه الأشياء ، أدام اللّه تعالى لكم أسباب البقاء ، وكان لكم في كلّ حال ، من إقامة وارتحال ، بعزّة وجهه وقدرته » ؛ انتهى .
ويرحم اللّه تعالى لسان الدين بن الخطيب ، فإنه يعبّر في كلّ مقام بما يليق ، فتارة يترقّى في أدراج البراعة ، وطورا يهتك عنان اليراعة « 5 » .
وأمّا شعر لسان الدين رحمه اللّه تعالى فهو من النهاية في الحسن ، وقد قدّمنا في هذا الكتاب منه نبذة في أثناء نثره وكلامه الذي جلبناه ، وفي مواضع غيرهما ؛ جملة مفيدة من شعره رحمه اللّه تعالى .
[ من شعر لسان الدين في مدح الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ]
وقال رحمه اللّه تعالى في « الإحاطة » ما نصّه : الشعر - ولنثبت جملة من مطوّلاته ، ونتله « 6 » بشيء من مقطوعاته ، ونقدّم من المطوّلات أمداح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تبركا بها ، فمن ذلك قولي : [ الكامل ]
هامش
( 1 ) الجذل : السرور .
( 2 ) قصي الأمل : بعيده .
( 3 ) الميمون : المبارك .
( 4 ) الحريز : المنيع الذي لا يستطاع الوصول إليه .
( 5 ) عنان : النصب والتعب . واليراعة ، هنا : القلم .
( 6 ) نتله : نتبعه .