تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
في فنّ من فنون الأنس يجذب بالمقاد ، إلى راحة الرقاد ، ويعتق النفس بقدرة ذي الجلال ، من ملكة الكلال « 1 » . « فقال : أما واللّه قد استحسنّا ما سردت ، فشأنك ، وما أردت . « فاستدعى عودا فأصلحه حتى حمده ، وأبعد في اختباره أمده ، ثم حرّك بمّه ، وأطال الجسّ ثمّه ، ثم تغنّى بصوت يستدعي الإنصات ، ويصدع الحصاة « 2 » ، ويستفزّ الحليم عن وقاره ، ويستوقف الطير ورزق بنيه في منقاره ، وقال : [ الخفيف ]
صاح ، ما أعطر القبول بنمّه * أتراها أطالت اللبث ثمّه « 3 »
هي دار الهوى منى النفس فيها * أبد الدهر والأمانيّ جمّه
إن يكن ما تأرّج الجوّ منها * واستفاد الشّذا وإلّا فممّه « 4 »
من لطرفي بنظرة ولا نفي * في رباها وفي ثراها بشمّه
ذكر العهد فانتفضت كأني * طرقتني من الملائك لمّه
وطن قد نضيت فيه شبابا * لم تدنّس منه البرود مذمّه
بنت عنه والنفس من أجل من قد * خلّفته خلاله مغتمّه
كان حلما فويح من أمّل الدّه * ر وأعماه جهله وأصمّه
تأمل العيش بعد أن خلق الجس * م وبنيانه عسير المرمّه
وغدت وفرة الشبيبة بالشي * ب على رغم أنفها معتمّه
فلقد فاز سالك جعل اللّ * ه إلى اللّه قصده ومأمّه
من يبت من غرور دنيا بهمّ * يلدغ القلب أكثر اللّه همّه
« ثم أحال اللحن إلى لون التنويم ، فأخذ كلّ في النعاس والتهويم ، وأطال الجس في الثقيل ، عاكفا عكوفا الضاحي في المقيل ، فخاط عيون القوم ، بخيوط النوم ، وعمر بهم المراقد ، كأنما أدار عليهم الفراقد ، ثم انصرف ، فما علم به أحد ولا عرف ، ولمّا أفاق الرشيد جدّ في طلبه ، فلم يعلم بمنقلبه ، فأسف للفراق ، وأمر بتخليد حكمه في بطون الأوراق ، فهي إلى اليوم تتلى وتنقل ، وتجلى القلوب بها وتصقل ، والحمد للّه رب العالمين » ؛ انتهى .
هامش
( 1 ) الكلال : التعب والإعياء . ( 2 ) الحصاة : أراد بها هنا القلب . ( 3 ) اللبث : الإقامة . ( 4 ) تأرج : تعطر . والشذا : طيب الرائحة .