تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
فإنها تقصد أنواع الخدع ، وتوري بتغيير البدع ، وأطلق على عدوّك أيدي الأقوياء من الأكفاء ، وألسنة اللفيف من الضعفاء ، واستشعر عند نكثه شعار الوفاء . ولتكن ثقتك بالله تعالى أكثر من ثقتك بقوة تجدها ، وكتيبة تنجدها ، فإنّ الإخلاص يمنحك قوى لا تكتسب ، ويمهّد لك مع الأوقات نصرا لا يحتسب . والتمس أبدا سلم من سالمك بنفيس ما في يدك ، وفضّل حاصل يومك على منتظر غدك ، فإن أبى وضحت محجّتك ، وقامت عليه للناس بذلك حجّتك ، فللنفوس على الباغين ميل ، ولها من جانبه نيل ، واستهد في كلّ يوم سيرة من يناويك ، واجتهد أن لا يوازيك في خير ولا يساويك ، وأكذب بالخير ما يشيعه من مساويك « 1 » ، ولا تقبل من الإطراء « 2 » إلّا ما كان فيك فضل عن إطالته ، وجدّ يزري على بطالته ، ولا تلق المذنب بحميّتك وسبّك ، واذكر عند حركة الغضب ذنوبك إلى ربّك ، ولا تنس أنّ ربّ المذنب أجلسك مجلس الفصل ، وجعل في قبضتك رياش النصل . وتشاغل في هدنة الأيام بالاستعداد ، واعلم أنّ التراخي منذر بالاشتداد ، ولا تهمل عرض ديوانك ، واختبار أعوانك ، وتحصين معاقلك وقلاعك . وعمّ إيالتك « 3 » بحسن اطّلاعك ، ولا تشغل زمن الهدنة بلذّاتك ، فتجني في الشدّة على ذاتك ، ولا تطلق في دولتك ألسنة الكهانة والإرجاف ، ومطاردة الآمال العجاف « 4 » ، فإنه يبعث سوء القول ، ويفتح باب العول ، وحذر « 5 » على المدرسين والمتعلمين ، والعلماء والمتكلّمين ، حمل الأحداث على الشكوك الخالجة والمزلّات الوالجة ، فإنه يفسد طباعهم ، ويغري سباعهم ، ويمدّ في مخالفة الملّة باعهم ، وسدّ سبيل الشفاعات فإنها تفسد عليك حسن الاختيار ، ونفوس الخيار ، وابذل في الأسرى من حسن ملكتك ما يرضي من ملّكك رقابها ، وقلّدك ثوابها وعقابها ، وتلقّ بدء نهارك بذكر اللّه تعالى في ترفّعك وابتذالك ، واختم اليوم بمثل ذلك . واعلم أنك مع كثرة حجّابك ، وكثافة حجابك ، بمنزلة الظاهر للعيون ، المطالب بالديون ، لشدّة البحث عن أمورك ، وتعرّف السرّ الخفي بين أمرك ومأمورك ، فاعمل في سرّك ما لا تستقبح أن يكون ظاهرا ، ولا تأنف أن تكون به مجاهرا ، وأحكم بريك في اللّه ونحتك ،
هامش
( 1 ) يناويك : يعاديك . واستهد سيرته : تعرف أخباره . ( 2 ) الإطراء : المديح . ( 3 ) الإيالة : السياسة . وأراد هنا البلاد التي تسوسها . ( 4 ) العجاف : الهزيلة الضعيفة . ( 5 ) في ب « وخذ » .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 140 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي