رفع للعربية ببلده راية لا تتأخر ، ومرج منها لجة تزخز ، فانفسح مجال درسه ، وأثمرت أدواح غرسه ، فركض ما شاء وبرح « 1 » ، ودوّن وشرح ، إلى شمائل يملك الظرف زمامها ، ودعابة راشت الحلاوة سهامها ، ولمّا أخذ المسلمون في منازلة الجبل وحصاره ، وأصابوا الكفر منه بجارحة إبصاره ، ورموا بالثّكل فيه نازح أمصاره ، كان ممّن انتدب وتطوّع ، وسمع النداء فأهطع « 2 » ، فلازمه إلى أن نفد لأهله القوت ، وبلغ من فسحة الأجل الموقوت ، فأقام الصلاة بمحرابه ، وحيّاه وقد غير محيّاه طول اغترابه ، وبادره الطاغية قبل أن يستقرّ نصل الإسلام في قرابه « 3 » ، أو يعلق أصل الدين في ترابه . وانتدب إلى الحصار به وتبرّع « 4 » ، ودعاه أجله فلبّى وأسرع ، ولمّا هدر عليه الفنيق « 5 » ، وركع إلى قبلة المنجنيق ، أصيب بحجر دوّم عليه كالجارح المحلّق ، وانقضّ إليه انقضاض البارق المتألّق ، فاقتنصه واختطفه ، وعمد إلى زهره فاقتطفه ، فمضى إلى اللّه تعالى طوع نيّته ، وصحبته غرابة المنازع حتى في أمنيته ؛ انتهى .
وقد جوّد ترجمته في « الإحاطة » وقال : إنه ألّف كتبا منها شرح « تسهيل الفوائد » لابن مالك ، مبدع تنافس الناس فيه ، وكتاب « الغرة الطالعة ، في شعراء المائة السابعة » وكتاب « إنشاد الضّوال ، وإرشاد السّؤّال » في لحن العامة ، وهو مفيد ، وكتاب « قوت المقيم » ودوّن ترسيل أبي المطرّف بن عميرة وضمّه في سفرين ، وله جزء في الفرائض . وحدّثني شيخنا الشريف القاضي أبو القاسم قال : خاطبت ابن هانىء بقصيدة من نظمي أوّلها : [ البسيط ]
هات الحديث عن الركب الذي شخصا فأجابني بقصيدة على رويّها ، أوّلها : [ البسيط ]
لولا مشيب بفودي للفؤاد عصى * أنضيت في مهمه التشبيب لي قلصا « 6 »
واستوقفت عبراتي وهي جارية * وكفاء توهم ربعا للحبيب قصا « 7 »
مسائلا عن لياليه التي انتهزت * أيدي الأماني بها ما شئته فرصا
هامش
( 1 ) في ب « وفرح » .
( 2 ) أهطع : أسرع .
( 3 ) القراب - بكسر القاف - جفن السيف وغمده .
( 4 ) في ب « وتدرع » .
( 5 ) هدر ، هنا : صوت . والفنيق - بفتح الفاء - الفحل من الإبل يكرم ولا يؤذى ولا يركب لكرامته على أهله .
( 6 ) أنضيت : أهزلت . والتشبيب : الغزل . والقلص : جمع قلوص ، وهي الناقة .
( 7 ) قصا : بعد ، ونأى .