وعلمت أني إن أقاتل دونهم * أقتل ، ولم يضرر عدوّي مشهدي
ففررت منهم والأحبّة فيهم * طمعا لهم بعقاب يوم مفسد
واللّبانات « 1 » تلين وتجمح ، والمآرب تدنو وتنزح ، وتحرن ثم تسمح « 2 » ، وكم من شجاع خام « 3 » ، ويقظ نام ، ودليل أخطأ الطريق ، وأضلّ الفريق ، واللّه عزّ وجلّ يجعلها خلّة موصولة ، وشملا أكنافه بالخير مشمولة ، وبنية أركانها لركائب اليمن مأمولة ، حتى تكثر خدم سيدي وجواريه ، وأسرته وسراريه ، وتضفو عليه نعم باريه ، ما طورد قنيص ، واقتحم عيص « 4 » ، وأدرك مرام عويص « 5 » ، وأعطي زاهد وحرم حريص ، والسلام .
تواليفه - شرح البردة شرحا بديعا دلّ به على انفساخ ذرعه ، وتفنّن إدراكه ، وغزارة حفظه ، ولخّص كثيرا من كتب ابن رشد ، وعلّق للسلطان أيام نظره في العقليات تقييدا في المنطق ، ولخّص محصّل الإمام فخر الدين الرازي ، وبه داعبته أول لقيه ، فقلت له : لي عليك مطالبة فإنك لخّصت « محصّلي » . وألّف كتابا في الحساب ، وشرع في هذه الأيام في شرح الرجز الصادر عني في أصول الفقه بشيء لا غاية فوقه في الكمال .
وأمّا نثره وسلطانياته السجعية فخلج بلاغة ، ورياض فنون ، ومعادن إبداع ، يفرغ عنها يراعه الجريء ، شبيهة البداءات بالخواتم ، في نداوة الحروف ، وقرب العهد بحرية المداد ، ونفوذ أمر القريحة ، واسترسال الطبع .
وأمّا نظمه فنهض لهذا العهد قدما في ميدان الشعر ، ونقده باعتبار أساليبه فانثال عليه جوّه ، وهان عليه صعبه ، فأتى منه بكل غريبة .
خاطب السلطان ملك المغرب ليلة الميلاد الكريم عام اثنين وستين وسبعمائة بقصيدة طويلة أولها : [ الكامل ]
أسرفن في هجري وفي تعذيبي * وأطلن موقف عبرتي ونحيبي
وأبين يوم البين وقفة ساعة * لوداع مشغوف الفؤاد كئيب « 6 »
هامش
( 1 ) اللبانات : الحاجات .
( 2 ) تحرن : تقف وترفض الانقياد . وتسمح : هنا تلين .
( 3 ) خام : جبن .
( 4 ) العيص : الشجر الكثير الملتف .
( 5 ) العويص : الصعب .
( 6 ) مشغوف الفؤاد : الذي وصل الحب إلى شغاف قلبه .