للّه عهد الظاعنين وغادروا * قلبي رهين صبابة ووجيب « 1 »
غربت ركائبهم ودمعي سافح * فشرقت بعدهم بماء غروبي « 2 »
يا ناقعا بالعتب غلّة شوقهم * رحماك في عذلي وفي تأنيبي
يستعذب الصّبّ الملام وإنني * ماء الملام لديّ غير شريب « 3 »
ما هاجني طرب ولا اعتاد الجوى * لولا تذكّر منزل وحبيب
أهفو إلى الأطلال كانت مطلعا * للبدر منهم أو كناس ربيب « 4 »
عبثت بها أيدي البلى وتردّدت * في عطفها للدهر آي خطوب
تبلى معاهدها وإنّ عهودها * ليجدّها وصفي وحسن نسيبي « 5 »
وإذا الديار تعرّضت لمتيّم * هزّنة ذكراها إلى التّشبيب
إيه على الصبر الجميل فإنه * ألوى بدين فؤادي المنهوب « 6 »
لم أنسها والدهر يثني صرفه * ويغضّ طرفي حاسد ورقيب
والدار مونقة محاسنها بما * لبست من الأيام كلّ قشيب « 7 »
يا سائق الأظعان تعتسف الفلا * وتواصل الإسآد بالتأويب « 8 »
متهافتا عن رحل كلّ مذلّل * نشوان من أين ومسّ لغوب
تتجاذب النفحات فضل ردائه * في ملتقاها من صبا وجنوب
إن هام من ظمأ الصبابة صحبه * نهلوا بمورد دمعه المسكوب
أو تعترض مسراهم سدف الدّجى * صدعوا الدجى بغرامه المشبوب
في كلّ شعب منية من دونها * هجر الأماني أو لقاء شعوب
هامش
( 1 ) الظاعنون : الراحلون . والصبابة : الحب الشديد . والوجيب : خفقان القلب واضطرابه .
( 2 ) الغروب : جمع غرب ، وهو عرق في العين يسيل منه الدمع .
( 3 ) شريب : مشروب .
( 4 ) الكناس : بيت الغزال .
( 5 ) تبلى : تزول وتفنى . يجدها : يعيدها جديدة .
( 6 ) ألوى : أنكر .
( 7 ) القشيب : الجديد .
( 8 ) الإسآد : الإغذاذ في السير والسرعة فيه ، أو هو سير الليل كله بغير تعريس .
والتأويب : السير النهار كله إلى الليل .