تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
لها من نعم متداركة ، ونفوس في سبيل القحة متهالكة ، ونفس يقطّع حروف الحلق ، وسبحان الذي يزيد في الخلق ، وعظمت الممانعة ، وكثرت باليد المصانعة ، وطال التراوغ والتّزاور ، وشكي التحاور ، وهنالك تختلف الأحوال ، وتعظم الأهوال ، وتخسر أو تربح الأموال ، فمن عصا تنقلب ثعبانا مبينا ، ونونة « 1 » تصير تنّينا ، وبطل لم يهمله المعترك الهائل ، والوهم الزائل ، ولا حال بينه وبين قرنه الحائل ، فتعدّى فتكة السّليك إلى فتكة البرّاض ، وتقلّد مذهب الأزارقة « 2 » من الخوارج في الاعتراض ، ثم شق الصفّ ، وقد خضّب الكفّ ، بعد أن كان يصيب البوسي بطعنته ، ويبوء بمقت اللّه ولعنته : [ الطويل ]
طعنت ابن عبد اللّه طعنة ثائر * لها نفذ لولا الشعاع أضاءها
وهناك هدأ القتال ، وسكن الخبال ، ووقع المتوقّع فاستراح البال ، وتشوّف إلى مذهب الثنوية من لم يكن للتوحيد بمبال ، وكثر السؤال عن المبال ، بما بال ، وجعل الجريح يقول وقد نظر إلى دمه ، يسيل على قدمه : [ البسيط ]
إني له عن دمي المسفوك معتذر * أقول حمّلته في سفكه تعبا
ومن سنان عاد عنانا ، وشجاع صار جبانا ، كلّما شابته شائبة ريبة ، أدخل يده في جيبه ، فانحجرت الحيّة ، وماتت الغريزة الحيّة ، وهناك يزيغ البصر « 3 » ، ويخذل المنتصر ، ويسلم الأسر ، ويغلب الحصر ، ويجفّ اللعاب ، ويظهر العاب « 4 » ، ويخفق الفؤاد ، ويكبو الجواد ، ويسيل العرق ، ويشتدّ الكرب والأرق ، وينشأ في محلّ الأمن الفرق « 5 » ، ويدرك فرعون الغرق ، ويقوى اللّجاج ويعظم الخرق ، فلا تزيد الحال إلّا شدّة ، ولا تعرف تلك الجائحة المؤمنة إلّا ردّة : [ الطويل ]
إذا لم يكن عون من اللّه للفتى * فأول ما يجني عليه اجتهاده
فكم مغرى بطول اللبث ، وهو من الخبث ، يؤمّل الكرّة ، ليزيل المعرّة ، ويستنصر الخيال ، ويعمل باليد الاحتيال : [ الرجز ]
هامش
( 1 ) النونة : السمكة . ( 2 ) الأزارقة : فرقة من فرق الخوارج منسوبة إلى نافع بن الأزرق . ( 3 ) يزيغ البصر : يميل وينحرف . ( 4 ) العاب : العيب . ( 5 ) الفرق : الخوف .