وخمسين وسبعمائة ، وعرف فضله ، وخطبه السلطان منفّق سوق العلم والأدب أبو عنان فارس بن علي بن عثمان ، واستحضره بمجلس المذاكرة ، فعرف حقّه ، وأوجب فضله ، واستعمله على الكتابة أوائل عام ستة وخمسين ، ثم عظم عليه حمل الخاصّة من طلبة الحضرة لبعده عن حسن التأني ، وشفوفه بثقوب الفهم وجودة الإدراك ، فأغروا به السلطان إغراء عضّده ما جبل عليه عهدئذ « 1 » من إغفال التحفّظ ممّا يريب لديه ، فأصابته شدّة تخلّصه منها أجله ، كانت مغربة في جفاء ذلك الملك وهناة جواره ، وإحدى العواذل لأولي الهوى في القول بفضله وعدم الخشوع وإهمال التوسّل وإبادة المكسوب في سبيل النفقة والإرضاخ على زمن المحنة وجار المنزل الخشن ، إلى أن أفضى الأمر إلى السعيد ولده ، فأعتبه قيّم الملك لحينه ، وأعاده إلى رسمه ، ودالت « 2 » الدولة إلى السلطان أبي سالم ، وكان له به الاتّصال قبل تسوّغ المحنة بما أكد حظوته ، فقلّده ديوان الإنشاء مطلق الجرايات ، محرّر السّهام ، نبيه الرّتبة ، إلى آخر أيامه .
ولمّا ألقت الدولة مقادها بعده إلى الوزير عمر بن عبد اللّه مدبّر الأمر ، وله إليه وسيلة ، وفي حليه شركة ، وعنده حقّ ، رابه تقصيره عمّا ارتمى إليه أمله ، فساء ما بينهما بما آل إلى انفصاله عن الباب المريني . وورد على الأندلس في أوّل ربيع الأوّل عام أربعة وستين وسبعمائة ، واهتزّ له السلطان ، وأركب خاصّته لتلقّيه ، وأكرم وفادته ، وخلع عليه وأجلسه بمجلسه . ولم يدّخر عنه برّا ومؤاكلة ومراكبة ومطايبة وفكاهة » .
وخاطبني لما حلّ بظاهر الحضرة مخاطبة لم تحضرني الآن ، فأجبته عنها بقولي : [ الطويل ]
حللت حلول الغيث في البلد المحل * على الطائر الميمون والرحب والسّهل « 3 »
يمينا بمن تعنو الوجوه لوجهه * من الشيخ والطفل المهدّإ والكهل « 4 »
لقد نشأت عندي للقياك غبطة * تنسّي اغتباطي بالشيبة والأهل
أقسمت بمن حجّت قريش لبيته ، وقبر صرفت أزمّة الأحياء لميته ، ونور ضربت الأمثال بمشكاته « 5 » وزيته ، لو خيرت أيها الحبيب الذي زيارته الأمنية ، السنية ، والعارفة ، الوارفة ،
هامش
( 1 ) عهدئذ : أي في ذلك العهد .
( 2 ) دالت الدولة : تحولت ، وصارت إلى أحدهم .
( 3 ) البلد المحل : المقفر المجدب .
( 4 ) تعنو الوجوه : تخضع .
( 5 ) المشكاة : هنا المصباح .