تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
القاضي أبو العباس أحمد بن أبي القاسم الحسني أن الرئيس أبا عبد اللّه بن زمرك دخل على الشيخ ذي الوزارتين أبي عبد اللّه بن الخطيب يستأذنه في جملة مسائل ممّا يتوقّف عادة على إذن الوزير ، وكان معظمها فيما يرجع إلى مصلحة الرئيس أبي عبد اللّه بن زمرك ، قال الشريف : فأمضاها كلّها له ، ما عدا واحدة منها تضمّنت نقض عادة مستمرّة ، فقال له ذو الوزارتين بن الخطيب : لا ، واللّه يا رئيس أبا عبد اللّه لا آذن في هذا ، لأنّا ما استقمنا في هذه الدار إلّا بحفظ العوائد . ثم قال صاحب الروض : فلما تأذّن اللّه تعالى للدولة بالاضطراب ، واستحكم الوهن بتمكّن الأسباب ، عدل عن تلك القواعد الراسخة ، واستخفّ بتلك القوانين الثابتة ، فنشأ من المفاسد ما أعوز رفعه ، وتعدّد وتره وشفعه « 1 » ، واستحكم ضرره حتى لم يمكن دفعه ، وتعذر فيه الدواء الذي يرجى نفعه ، وكان قد صحبه من الجد ما سنّى آماله « 2 » ، وأنجح بإذن اللّه تعالى أقواله وأفعاله « 3 » ، فكان يجري الأمر على رسم من السياسة واضح ، ونظر من الآراء السديدة راجح ، ثم يحفّه من الجد سياج لا يفارقه إلى تمام الغاية المطلوبة من حصوله ، وتمكن مقتضى الإرادة السلطانية من فروعه وأصوله ؛ انتهى كلام ابن عاصم .

[ ترجمة الوزير أبي يحيى محمد بن محمد بن عاصم ]

وإذ جرى ذكره فلا بأس أن نلمع « 4 » بشيء من أحواله ؛ لأنّ أهل الأندلس كانوا يسمّونه ابن الخطيب الثاني ، فنقول : هو الإمام العلامة الوزير الرئيس الكاتب الجليل البليغ الخطيب الجامع الكامل الشاعر المفلق الناثر الحجّة ، خاتمة رؤساء الأندلس بالاستحقاق ، ومالك خدم البراعة بالاسترقاق ، أبو يحيى محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عاصم ، القيسي ، الأندلسي ، الغرناطي ، قاضي الجماعة بها ، كان - رحمه اللّه تعالى ! - من أكابر فقهائها وعلمائها ورؤسائها ، أخذ عن الإمام المحقّق أبي الحسن بن سمعت ، والإمام القاضي أبي القاسم بن سراج ، والشيخ الراوية أبي عبد اللّه المنثوري « 5 » ، والإمام أبي عبد اللّه البياني ، وغيرهم ، ومن تآليفه شرح تحفة والده ، وذكر فيه أنه ولي القضاء سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة ، ومنها كتاب « جنة الرضا ، في التسليم لما قدر اللّه تعالى وقضى » وكتاب « الروض الأريض ، في تراجم ذوي
هامش
( 1 ) الوتر : الفرد من الأعداد ، والشفع : الزوج . ( 2 ) سنى آماله : يسرها . ( 3 ) في ب « وأعماله » . ( 4 ) نلمع : نشير . ( 5 ) في ب « المنتوري » .