تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
ذنوبه ، وستر عيوبه ، وبلّغه من فضله مطلوبه ! - صاحب كتاب الريحانة ، آية من آيات اللّه سبحانه ، لوجه أدبه طلاقه ، وللسانه ذلاقه ، وللقلوب به علاقة ، وفي خطّه غلاقة ، يعرفها من عرف اصطلاحه بمطالعته ، وينفتح له باب فهمها بتكرير مراجعته ، فليتأمّل الناظر إليه ، والمقبل عليه ، ما فيه من الجواهر ، والنجوم الزواهر ، بل الآيات البواهر ، وليسبّح اللّه تعالى تعجبا من قدرته جلّ وعلا ، ومواهبه التي عذب ماؤها النّمير وحلا ، وليقل عند تأمّل درّه النظيم
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
[ سورة الحديد ، الآية : 21 ] انتهى . وقوله رحمه اللّه تعالى « وفي خطّه غلاقة » ليس المراد به إلّا صعوبة الخطّ المغربي على أهل المشرق حسبما يعلم ممّا بعده ، وإلّا فإنّ خطّ لسان الدين رحمه اللّه تعالى محمود عند المغاربة ، ولنقتصر من هذا الغرض على ما ذكر ، فإن تتبعه يطول ؛ إذ هو بحر لا ساحل له .

[ ثناء ابن عاصم على لسان الدين ]

وكان لسان الدين رحمه اللّه تعالى مؤثرا لقضاء حاجة من أمّله ، وقصد بابه وأمّ له « 1 » ، سواء كان من أودّائه « 2 » ، أو من أعدائه ، وقد ذكر الوزير الرئيس الكاتب أبو يحيى بن عاصم رحمه اللّه تعالى عنه في ذلك حكاية في أثناء كلام رأيت أن أذكر جملته لما اشتمل عليه من الفائدة ، وهو أنه ذكر في ترجمة شموس العصر من ملوك بني نصر من كتابه المسمّى ب « الروض الأريض » في اسم السلطان الذي كان ابن الخطيب وزيره ، وهو الغني بالله محمد بن يوسف بن إسماعيل بن فرج بن نصر الخزرجي ، بعد كلام ما صورته : كان قد جرى عليه التمحيص الذي أزعجه عن وطنه إلى الدار البيضاء بالمغرب من إيالة بني مرين ، فأفادته الحنكة والتجربة هذه السيرة التي وقف شيوخنا على حقيقتها ، وانتهجوا واضح طريقتها ، وبلغتنا منقولة بألسنة صدقهم ، معبرا عنها في عرف التخاطب بالعادة ، فلم يكن الوزير الكيّس والرئيس الجهبذ يجريان من الاستقامة على قانون ، ولا يطّردان من الصواب على أسلوب ، إلّا بالمحافظة على ما رسم من القواعد ، والمطابقة لما ثبت من العوائد ، وكان ذوو النبل من هذه الطبقة وأولو الحذق من أرباب هذه المهن السياسية يتعجّبون من صحة اختياره لما رسم ، وجودة تمييزه لما قصد ، ويرون المفسدة في الخروج عنها ضربة لازب « 3 » ، وأنّ الاستمرار على مراسمها آكد واجب ، فيتحرّونها « 4 » بالالتزام كما تتحرّى السنن ، ويتوخّونها بالإقامة كما تتوخّى الفرائض ، وسواء تبادر لهم « 5 » معناها ففهموه ، أو خفي عليهم وجه رسمها فجهلوه ، حدثني شيخنا
هامش
( 1 ) أمّ له : قصده . ( 2 ) أودّاؤه : أصدقاؤه الذين يخلصون له الود . ( 3 ) ضربة لازب : أي أمرا لا مفر منه . ( 4 ) يتحرونها : يتعمدونها . ( 5 ) تبادر لهم : ظهر لهم .