للّه تعالى تحول بين القلوب وقرارها ، وتثني النفوس عن اغترارها ، ولسان يبوح بأشواقه ، وجفن يسخو بدرر آماقه ، وحرص على لقاء كل ذي علم وأدب ، ومن يمتّ إلى أهل الديانة والعبادة بسبب « 1 » ، سبق بقطره الحلبة ، وفرع « 2 » من الأدب الهضبة ، ورفع الراية ، وبلغ في الإحسان الغاية ، فطارت قصائده كلّ المطار ، وتغنّى بها راكب الفلك وحادي القطار ، وتقلّد خطّة القضاء ببلده ، وانتهت إليه رياسة الأحكام بين أهله وولده ، فوضحت المذاهب بفضل مذهبه ، وحسن مقصده . وله شيمة في الوفاء تعلّم منها الأس ، ومؤانسة عذبة لا تستطيعها الأكؤس « 3 » ، وقد أثبتّ من كلامه ما تتحلى به مراتب المهارق ، ويجعل طيبه فوق المفارق .
وكنت أتشوّق إلى لقائه ، فلقيته بالمحلّة من جبل الفتح لقيا لم تبلّ صدا ، ولا شفت كمدا ، وتعذّر بعد ذلك لقاؤه ، فخاطبته بهذه الرقعة :
حمدت على فرط المشقة رحلة فذكر لسان الدين ما قدّمنا إلى آخره .
وقد أورد جملة من مطولاته وغيرها ومؤلّفاته ، ولنلخّص بعض ذلك فنقول :
ومن شعر أبي الحجاج المذكور يمدح الجهة الكريمة النبوية ، مصدّرا بالنسيب لبسط الخواطر النفسانية ، قوله : [ الكامل ]
لما تناهى الصّبّ في تشويقه * درر الدموع اعتاضها بعقيقه
متلهّف وفؤاده متلهّب * كيف البقا بعد احتدام حريقه « 4 »
متموّج بحر الدموع بخدّه * أنّى خلاص يرتجى لغريقه
متجرع صاب النوى من هاجر * ما إن يحنّ للاعجات مشوقه « 5 »
يسبي الخواطر حسنه ببديعه * يصبي النفوس جماله بأنيقه
قيد النواظر إذ يلوح لرامق * لا تنثني الأحداق عن تحديقه
للبدر لمحته كبشر ضيائه * للمسك نفحته كنشر فتيقه « 6 »
هامش
( 1 ) يمت إليه بسبب : يتصل به بسبب .
( 2 ) فرع الهضبة : علاها ووصل إلى قمتها .
( 3 ) في ب « الأكواس » .
( 4 ) احتدام : التهاب واشتعال .
( 5 ) الصاب : شجر مر .
( 6 ) اللمحة : النظرة . ويلوح : يظهر . والنفحة : الريح . والنشر - بالفتح - طيب الرائحة ، والفتيق : المسك تستخرج رائحته بضم شيء إليه .