تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠

[ من لسان الدين إلى أبي الحجاج الجذامي ]

وهذا الخطاب جواب من المذكور لكلام خاطبه به لسان الدين نصّه : [ الطويل ]
حمدت على فرط المشقّة رحلة * أتاحت لعينيّ اجتلاء محيّاكا
وقد كنت بالتذكار في البعد قانعا * وبالريح أن هبّت بعاطر ريّاكا
فحلّت لي النّعمى بما أنعمت به * عليّ فحيّاها الإله وحيّاكا
« أيها الصدر الذي بمخاطبته يباهى « 1 » ويتشرّف ، والعلم الذي بالإضافة إليه يتعرّف ، والروض الذي لم يزل على البعد بأزهاره الغضّة يتحف . دمت تتزاحم على موارد ثنائك الألسن ، ويروي الرواة من أنبائك ما يصحّ ويحسن ، طالما مالت إليك النفوس منّا وجنحت ، وزجرت الطائر الميمون من رقاعك كلّما سنحت . فالآن اتّضح البيان ، وصدّق الأثر العيان ، ولقد كنّا للمقام بهذه الرّحال نرتمض « 2 » ، ويجنّ الظلام فلا نغتمض ، هذا يقلقه إصفار كيسه ، وهذا يتوجّع لبعد أنيسه ، وهذا تروّعه الأهوال ، وتضجره بتقلّباتها الأحوال . فمن أنّة لا تنفع ، وشكوى إلى اللّه تعالى ترفع . فلمّا ورد بقدومك البشير ، وأشار إلى ثنيّة « 3 » طلوعك المشير ، تشوفت « 4 » النفوس الصّديّة « 5 » إلى جلائها وصقالها ، والعقول إلى حلّ عقالها « 6 » ، والأنفس المفحمة إلى فصل مقالها ، ثم إنّ الدهر راجع التفاته ، واستدرك ما فاته ، فلم يسمح من لقائك إلّا بلمحة ، ولا بعث من نسيم روضك بغير نفحة ، فما زاد أن هيّج الأشواق فالتهبت ، وشنّ غاراتها على الجوانح فانتهبت ، وأعلّ القلوب وأمرضها ، ورمى ثغرة الصبر فأصاب غرضها ، فإن رأيت أن تنفّس عن نفس شدّ الشوق مخنّقها ، وكدّر مشارب أنسها وأذهب رونقها ، وتتحف من آدابك بدرر تقتنى ، وروضة طيبة الجنى ، فليس ببدع من شيمك « 7 » ، ولا شاذّة في باب كرمك . ولولا شاغل لا يبرح ، وعوائق أكثرها لا يشرح ، لنافست هذه السّحاءة « 8 » في القدوم عليك ، والمثول بين يديك ، فتشوّقي إلى اجتلاء أنوارك شديد ، وتشيّعي إلى إبلاء الزمان جديد » ؛ انتهى .

[ ترجمة أبي الحجاج الجذامي ]

ووصف لسان الدين في « التاج المحلّى » أبا الحجاج المذكور بما صورته : حسنة الدهر الكثير العيوب ، وتوبة الزمان الجمّ الذنوب ، ما شئت من أدب يتألّق ، وفضل تتعطّر به النسمات وتتخلّق ، ونفس كريمة الشمائل والضرائب ، وقريحة يقذف بحرها بدرر الغرائب « 9 » ، إلى خشية
هامش
( 1 ) يباهي : يفاخر ، يزهو . ( 2 ) نرتمض : نحترق من الحزن أو الحر . ( 3 ) أصل الثنية : المكان الصاعد في الجبل . ( 4 ) تشوفت : تطلعت . ( 5 ) الصدية : العطش . ( 6 ) العقال - بكسر العين - في الأصل ما تربط به الدابة . ( 7 ) في ب « فليست ببدع في شيمك » . ( 8 ) السحاءة : ما يكتب عليه من ورق وغيره . ( 9 ) الغرائب : جمع غريبة ، وأراد هنا التي ليس لها نظير .