وأعقبت إتحافي فرائدك التي * وجوب ثناها يا لساني أعياكا
ووصل هذا النظم بنثر صورته : « خصصتني أيها المخصوص بمآثر أعيا عدّها وحصرها ، ومكارم طيّب أرواح الأزاهر عطرها ، وسارت الركبان بثنائها ، وشملت الخواطر محبّة علائها ، بفرائدك الأنيقة ، وفوائدك المزرية جمالا على أزهار الحديقة ، ومعارفك التي زكت حقّا وحقيقة ، وهدت الضالّ عن سبيل الأدب مهيعه « 1 » وطريقه ، وسبق تحفتك أعلى التحف عندي وهو مأمول لقائك ، والتمتّع بالتماح سناك الباهر وسنائك ، على حين امتدّت لذلكم اللقاء أشواقي ، وعظم من فوت استنارتي بنور محيّاك إشفاقي ، وتردّد لهجي بما يبلغني من معاليك ومعانيك ، وما شاده فكرك الوقّاد من مبانيك ، وما أهلّت به بلاغتك من دارسه ، وما أضفيت على الزمان من رائق ملابسه ، وما جمعت من أشتاته ، وأحييت من أمواته ، وأيقظت من سناته « 2 » ، وما جاد به الزمان من حسناته . فلترداد هذه المحاسن من أنبائك ، وتصرّف الألسنة بثنائك ، علقت النفس من هواها بأشدّ علاقة ، وجنحت إلى لقائك جنوح والهة مشتاقة ، والحوادث الجارية تصرفها ، والعوائق الحادثة كلّما عطفت أملها إليه لا تتحفها به ولا تعطفها ، إلى أن ساعد الوقت ، وأسعد البخت « 3 » ، بلقائكم في هذه السفرة الجهادية ، وجاد إسعاف الإسعاد من أمنيتي بأسنى هديّة ، فلقيتكم لقيا خجل ، ولمحت أنواركم لمحة على وجل « 4 » ، ومحبتي في محاسنكم الرائقة ، ومعاليكم الفائقة ، على ما يعلمه ربّنا عزّ وجلّ ، وتذكرت عند لقائكم المأمول ، إنشاء قائل يقول : [ البسيط ]
كانت مساءلة الركبان تخبر عن * محمد بن الخطيب أطيب الخبر
حتى التقينا فلا واللّه ما سمعت * أذني بأحسن ممّا قد رأى بصري
« قسم لعمري أقوله وأعتقده ، وأعتدّه وأعتمده ، فلقد بهرت منك المحاسن ، وفقت من يحاسن ، وقصّر عن شأوك « 5 » كلّ بليغ لسن « 6 » ، وسبقت فطنتك النارية النّورية بلاغة كلّ فطن ، وشهد لك الزمان أنك وحيده ، ورئيس عصبته الأدبية وفريده ، فبورك لك فيما أنلت من الفضائل ، وأوتيت من آيات المعارف التي بها نور الغزالة ضائل ، ولا زلت ترقى في مراتب المعالي ، موقّى صروف الأيام والليالي » ؛ انتهى .
هامش
( 1 ) المهيع : الطريق الواسع الواضح .
( 2 ) السنات : جمع سنة - بكسر السين - النوم .
( 3 ) البخت : الحظ .
( 4 ) الوجل : الخوف .
( 5 ) الشأو : الغاية .
( 6 ) اللسن : الفصيح .