جلّى الشكوك بنور يقينه ، ونصح النصح اللائق بعلمه ودينه ، وكأنه نظر إلى الغيب من وراء حجاب ، فأشار بما أشار به على سارية عمر بن الخطاب « 1 » ، ومن العجب أني عملت بمقتضى إشارته ، قبل بلوغ إضبارته ، فلّله ما تضمّنه مكتوبكم الكريم من الدّرّ ، وحرّره من الكلام الحرّ ، وأيم اللّه لو تجسم لكان ملكا ، ولو تنسّم لكان مسكا ، ولو قبس لكان شهابا ، ولو لبس لكان شبابا ، فحلّ مني علم اللّه تعالى محل البرء من المريض ، وأعاد الأنس بما تضمّنه من التعريض ، والكلم المزرية بقطع الروض الأريض ، فقبلته عن راحتكم ، وتخيلت أنه مقيم بساحتكم ، ثم وردت معينه الأصفى ، وكلت من بركات مواعظه بالمكيال الأوفى ، وليست بأول أياديكم ، وإحالتكم على اللّه فهو الذي يجازيكم ، وبالجملة فالأمور بيد الأقدار ، لا إلى المراد والاختيار : [ الطويل ]
وما كلّ ما ترجو النفوس بنافع * ولا كلّ ما تخشى النفوس بضرّار
انتهى .
[ ترجمة القاضي أبي الحسن النباهي ]
قلت : أين هذا الكتاب من الذي قدّمناه عنه في الباب الثاني ، حين أظلم بينه وبين لسان الدين الجوّ وعطفه إلى مهاجاته ثاني ، وسفر « 2 » في أمره إلى العدوة ، واجتهد في ضرره بعد أن كان له به القدوة ، وقد قابله لسان الدين بما أذهب عن جفنه الوسن « 3 » ، وألّف فيه كما سبق « خلع الرسن » . على أنه عرّف به في « الإحاطة » أحسن تعريف ، وشرّفه بحلاه أجمل تشريف ، إذ قال ما ملخّصه : علي بن عبد اللّه بن محمد بن محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن محمد بن الحسن ، الجذامي ، المالقي ، أبو الحسن ، ويعرف بالنباهي ، هذا الفاضل قريع بيت مجادة وجلالة ، وبقية تعين وأصالة ، عفّ النشأة ، طاهر الثوب ، مؤثر للوقار والحشمة ، خاطب للشيخوخة ، مستعجل للشيبة ، ظاهر الحياء ، متحرّك مع السكون ، بعيد الغور ، مرهف الجوانب مع الانكماش ، مقتصد في الملبس والآلة ، متظاهر بالسذاجة ، بريء من النوك « 4 » والغفلة ، يقظ للمعاريض ، مهتد إلى الملاحن ، طرف في الجود ، حافظ مقيّد طلعة « 5 » إخباري ، قائم على تاريخ بلده ، شرع في تكميل ما صنّف فيه ، ملازم للتقييد والتطريف « 6 » ، منقر عن الإجادات
هامش
( 1 ) إشارة إلى ما روي أن عمر وهو يخطب الناس نادى سارية وهو يقاتل بمصر قائلا : « سارية ، الجبل الجبل » في قصة مشهورة .
( 2 ) سفر سفارة : كان سفيرا بين قوم .
( 3 ) الوسن : النوم .
( 4 ) النوك - بفتح النون والواو - الحمق .
( 5 ) طلعة : محب للاطلاع .
( 6 ) في ب « والتطرير » .