الزبير أستاذ الزمان شيخ أبي حيان وغيره . وقال في « الإحاطة » في حقّه : إنه فكه ، حسن الحديث ، ركض طرف الشبيبة في ميدان الراحة ، منكّبا على سنن أبيه وقومه ، مع شفوف إدراك ، وجودة حفظ ، كانا يطمعان والده في نجابته ، فلم يعدم قادحا في شرف « 1 » فنال حظوة ، وجرت عليه خطوب . ثم عاد إلى الأندلس ، فتطور بها ، وهو الآن قد نال منه الكبر يزجي لوقته بمالقة متعلّلا برمق من بعض الخدم المخزونية ، استجاز له والده الطم والرم من أهل المغرب والمشرق ، وبضاعته في الشعر مزجاة . ثم قال : مات تاسع المحرم عام خمسة وستين وسبعمائة ؛ انتهى .
[ من ترجمة أبي يحيى محمد بن أحمد بن الأكحل ]
وقال في ترجمة أبي يحيى محمد بن أحمد بن محمد بن الأكحل ما صورته : شيخ هدوري الذقن ، خدوع الظاهر ، خلوب اللفظ ، شديد الهوى إلى الصوفية ، والكلف بإطراء أهل الخير « 2 » ، من بيت صون وحشمة ، متقدّم في معرفة الأمور العلمية ، خائض في غمار التصوّف ، وانتحال كيمياء السعادة ، راكب متن دعوى عريضة في مقام التوحيد ، تكذّبها أحواله الراهنة ، لمعاصاة خلقه على الرياضة ، واستيلاء الشّره ، وغلبة سلطان الشهوة ، والمشاحة أيام الولاية ، والسباب الشاهد بالشدّة ، والحلف المتصل بياض اليوم في ثمن الخردلة باليمين التي فيها فساد الأنكحة ، والغضب الذي يقلب العين . خاطبني بين يدي نكبته ولم أكن أظنّ الشّعر ممّا تلوكه جحفلته « 3 » ، ولكنه من أهل الكفاية : [ الطويل ]
رجوتك بعد اللّه يا خير منجد * وأكرم مأمول وأعظم مرفد
وأفضل من أمّلت للحادث الذي * فقدت به صبري وما ملكت يدي
وحاشا وكلّا أن يخيب مؤمّلي * وقد علقت بابن الخطيب محمد
وما أنا إلّا عبد نعمته التي * عهدت بها يمني وإنجاح مقصدي
وأشرف من حضّ الملوك على التّقى * وأبدى لهم رشدا نصيحة مرشد
وساس الرعايا الآن خير سياسة * مباركة في كلّ غيب ومشهد « 4 »
وأعرض عن دنياه زهدا وإنها * لمظهرة طوعا له عن تودّد
وما هو إلّا الليث والغيث إن أتى * له خائف أو جاء مغناه مجتدي « 5 »
وبحر علوم درّه كلماته * إذا ردّدت في الحفل أيّ تردّد
هامش
( 1 ) في ب « شرّق » .
( 2 ) الإطراء : إحسان الثناء ، والمبالغة فيه .
( 3 ) الجحفلة للدابة كالشفة للإنسان .
( 4 ) المشهد : الحضور .
( 5 ) المجتدي : طالب النوال والعطاء .