تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
الدين في « التاج » ما مثاله : هو مجموع أدوات حسان ، من خط ونغمة لسان ، أخلاقه روض تتضوّع « 1 » نسماته ، وبشره صبح تتألق قسماته « 2 » ، ولا تخفى سماته ، يقرطس أغراض الدعابة ويصميها ، ويفوّق سهام الفكاهة إلى مراميها ، فكلما صدرت في عصره قصيدة هازلة ، أو أبيات منحطة عن الإجادة نازلة ، خمّس أبياتها وذيلها ، وصرف معانيها وسيلها ، وتركها سمر الندمان ، وأضحوكة الأزمان ، وهو الآن خطيب المسجد الأعلى بمالقة ، متحلّ بوقار وسكينه ، حالّ من أهلها بمكانة مكينة ، لسهولة جانبه ، واتضاح مقاصده في الخير ومذاهبه ، واشتغل لأوّل أمره بالتكتيب ، وبلغ الغاية في التعليم والترتيب ، والشباب لم ينصل « 3 » خضابه ، ولا سلت للمشيب عضابه ، ونفسه بالمحاسن كلفة صبّه ، وشأنه كله هوى ومحبه ، ولذلك ما خاطبه بعض أودائه « 4 » ، وكلاهما رمى أخاه بدائه ، حسما يأتي خلال هذا القول وفي أثنائه ، انتهى . وذكر نحو ما تقدّم ذكره ، سامح اللّه الجميع بفضله !

[ من أبي عبد اللّه الكرسوطي للسان الدين ]

وقال لسان الدين في ترجمة أبي عبد اللّه محمد بن عبد الرحمن الكرسوطي الفاسي نزيل مالقة ما صورته : وأنشدني وأنا بمالقة أحاول لوث العمامة « 5 » ، وأستعين بالغير على الإحكام لها : [ الكامل ]
أمعمّما قمرا تكامل حسنه * أربى على الشمس المنيرة في البها
لا تلتمس ممّن لديك زيادة * فالبدر لا يمتار من نور السّها
قال لسان الدين : وهو فقيه محدّث متكلّم ، ألّف كتبا منها « الغرر ، في تكميل الطرر » طرر أبي إبراهيم الأعرج ، ثم كتاب « الدّرر ، في اختصار الطّرر » المذكور ، وتقييدان على الرسالة ، كبير وصغير ، ولخّص « التهذيب » لابن بشير ، وحذف أسانيد المصنّفات الثلاثة ، والتزم إسقاط التكرار ، واستدرك الصّحاح الواقعة في الترمذي على البخاري ومسلم ، وقيّد على مختصر الطيطلي ، وشرع في تقييد على قواعد الإمام أبي الفضل عياض بن موسى برسم ولدي . ويصدر منه الشعر مصدّرا لا تكيفه منه العناية . وكانت له اليد الطولى في عبارة الرؤيا ، ومولده بفاس عام تسعين وستمائة ، انتهى ملخصا .
هامش
( 1 ) تتضوع : يفوح منها العطر . ( 2 ) تتألق : تضيء . والقسمات : معالم الوجه . ( 3 ) لم ينصل خضابه : لم يذهب . والخضاب : الصبغ . ( 4 ) أودّاؤه : أصدقاؤه المخلصون له الودّ . ( 5 ) لوث العمامة : عصبها ولفّها .