تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
أبعد حول تناجي الشوق ناجية * هلّا ونحن على عشر من العشر « 1 »
« ولقد تجاوزت في الأمد ، وأنسيت أخبار صاحبك عبد الصمد ، فأقسم بألفات القدور « 2 » ، وهمزات الجفون السود ، وحامل الأرواح مع الألواح ، بالغدوّ والرّواح ، لولا بعد مزارك ، ما أمنت غائلة ما تحت إزارك ، ثم إني حقّقت الغرض ، وبحثت عن المشكل الذي عرض ، فقلت : للخواطر انتقال ، ولكلّ مقام مقال ، وتختلف الحوائج باختلاف الأوقات ، ثم رفع اللبس خبر الثقات » . ومنها - « وتعرفت ما كان من مراجعة سيدي لحرفة التكتيب والتعليم ، والحنين إلى العهد القديم ، فسررت باستقامة حاله ، وفضل ماله ، وإن لاحظ اللاحظ ، ما قال الجاحظ ، فاعتراض لا يرد ، وقياس لا يطّرد ، حبّذا واللّه عيش التأديب ، فلا بالضّنك ولا بالجديب « 3 » ، معاهدة الإحسان ، ومشاهدة الصور الحسان ، يمينا إن المعلمين ، لسادة المسلمين ، وإني لأنظر منهم كلّما خطرت على المكاتب ، أمراء فوق المراتب ، من كل مسيطر الدرة ، متقطّب الأسرّة ، متنمّر للوارد تنمّر الهرّة ، يغدو إلى مكتبه ، كالأمير في موكبه ، حتى إذا استقلّ في فرشه ، واستوى على عرشه ، وترنّم بتلاوة قالونه وورشه « 4 » ، أظهر للخلق احتقارا ، وأزرى بالجبال وقارا ، ورفعت إليه الخصوم ، ووقف بين يديه الظالم والمظلوم ، فتقول : كسرى في إيوانه ، والرشيد في أوانه ، أو الحجّاج بين أعوانه ، فإذا استولى على البدر السّرار ، وتبيّن للشهر الغرار ، تحرّك إلى الخرج ، تحرّك العود إلى الفرج ، أستغفر اللّه ممّا يشقّ على سيدي سماعه ، وتشمئزّ من ذكره طباعه ، شيم اللسان ، خلط الإساءة بالإحسان ، والغفلة من صفات الإنسان ، فأي عيش كهذا العيش وكيف حال أمير هذا الجيش ؟ طاعة معروفة ، ووجوه إليه مصروفة ، فإن أشار بالإنصات ، لتحقّق القصّات ، فكأنما طمس على الأفواه ، ولأم بين الشّفاه ، وإن أمر بالإفصاح ، وتلاوة الألواح ، علا الضجيج والعجيج ، وحفّ به كما حفّ بالبيت الحجيج ، وكم بين ذلك من رشوة تدسّ ، وغمزة لا تحسّ ، ووعد يستنجز ، وحاجة تستعجل وتحفز ، هنأ اللّه سيدي ما خوّله ، وأنساه بطيب أخراه أوّله ، وقد بعثت بدعابتي هذه مع إجلال قدره ، والثقة بسعة صدره ، فليتلقّها بيمينه ، ويفسح لها في المرتبة بينه وبين خدينه « 5 » ، ويفرغ لمراجعتها وقتا من أوقاته عملا بمقتضى دينه ، وفضل يقينه ، والسلام » .
هامش
( 1 ) الحول : العام . ( 2 ) في ب « القدود » . ( 3 ) الضنك - بالفتح - الضيق والمقتر فيه . والجديب : أصله المكان المقفر الذي لا نبات فيه . ( 4 ) قالون وورش : مقرئان تحمل عنهما قراءة القرآن الكريم . ( 5 ) الخدين : الخدن ، الصديق .